الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٥٠٥
و في الدورة الثانية من المؤتمر (٢٨ كانون الثاني/ يناير ١٩٤٧ م)، الذي دعيت إليه الهيئة العربية العليا بتشكيلها الجديد، ترأس الوفد جمال الحسيني، لأن السلطات لم تسمح للحاج أمين بدخول الأراضي البريطانية، و بداية رفضت الحكومة البريطانية المشروع العربي، و تقدمت بمشروع معدل عن مشروع موريسون، الذي تراجعت عنه الإدارة الأميركية، عرف باسم مشروع بيفن. و هو يقوم على مبدأ «الوصاية» البريطانية على فلسطين لخمسة أعوام، يجري خلالها التمهيد للاستقلال، عبر خطوات إجرائية معقدة. و كان واضحا أن الحكومة البريطانية تريد الخروج من المأزق، و كسب الوقت، أملا في حدوث تطورات تساعد على حلحلة الأزمة المستعصية. و رفضت الوفود العربية المشروع، و كذلك فعلت الوكالة اليهودية، لأنه لا يلبي المطالب العربية بالاستقلال، و لا المطالب الصهيونية بإقامة الدولة اليهودية. و عند هذا الحد، وصلت الحكومة البريطانية إلى الطريق المسدود، فأعلنت في ١٤ شباط/ فبراير ١٩٤٧ م عزمها على إحالة الموضوع بأكمله إلى الأمم المتحدة.
لقد كثرت التأويلات لقرار بريطانيا التخلي عن انتدابها على فلسطين و الانسحاب منها، و وجهت إليها اتهامات بالتآمر مع الولايات المتحدة و الصهيونية لتسليم فلسطين للاستيطان، لكي لا تتحمل مسؤولية ذلك منفردة. و في المقابل، جرى تبرير إقدامها على هذه الخطوة بعجزها عن التوفيق بين مطالب الأطراف المتعددة، و إحجامها، لأسباب ذاتية و موضوعية، عن اللجوء إلى استخدام القوة لفرض إرادتها. و مهما يكن الأمر، فلا بدّ من النظر إلى المسألة من زاوية الاعتبارات البريطانية للحفاظ على مصالحها، في ظروف الزمان و المكان، و حساب التكلفة و المردود في سياستها الخارجية، و تحديدا إزاء فلسطين، و أبعاد قضيتها عربيا و أميركيا. فبعكس مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى، لم تعد بريطانيا بعد الثانية قوة مهيمنة، و زاد اعتمادها على الولايات المتحدة، و خصوصا إزاء تصاعد قوة الاتحاد السوفياتي. و في هذا السياق، كان الحفاظ على التحالف مع أميركا مصيريا، و ظل راسخا رسوخ اهتمام بريطانيا بصيانة موقعها الدولي، و التباين في وجهات النظر بينهما بشأن فلسطين لم يكن من شأنه إحداث شرخ في العلاقات بين الدولتين.
في المقابل كان طرح القضية الفلسطينية على الأمم المتحدة، فرصة مواتية للولايات المتحدة لاحتضان المشروع الصهيوني، و تأمين إقامة الدولة اليهودية، بقرار من الهيئة الدولية، فتحقق أهدافها من ذلك المشروع، تحت غطاء الشرعية الدولية.
و في الأمم المتحدة، تولت الإدارة الأميركية، برئاسة ترومان، تمرير القرارات اللازمة لتجسيد المشروع الصهيوني، و الاعتراف الدولي به، لما كانت تتمتع به من تأثير