الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ١٦٢
لو لا التناقض في الروايات بين المصادر المتعددة، و خصوصا حول التفصيلات.
و كثيرا ما يعكس التناقض في الروايات و جهات نظر لتيارات سياسية، تشكلت لاحقا، و حاولت إثبات مواقفها من قضايا حالية استنادا إلى أحداث سالفة. و لكن الأساس يبقى واحدا، و هو أن العرب، تحت لواء الإسلام، حققوا نصرا على القوتين العظميين في ذلك العصر. أمّا المصادر الفارسية فهي معدومة تقريبا، و البيزنطية قليلة جدا و مبهمة. فكأنما أراد البيزنطيون تجاهل هذا الحدث الكبير تحاشيا للإحراج من الهزيمة النكراء التي حلت بهم، و التي لم يرغبوا في تصديقها و الإقرار بها، بعد أن كانوا، و لفترة طويلة، مقتنعين بسرمدية إمبراطوريتهم، و تحديدا عاصمتهم- القسطنطينية. و هناك مصادر سريانية مهمة عن الفتوحات العربية.
و يستفاد من المصادر التاريخية العربية عن سير الفتوحات أن خالد بن الوليد، بعد أن أخمد حركة الردة في شرق الجزيرة العربية، تابع مسيرته بأمر من الخليفة أبي بكر، إلى العراق، نحو الحيرة و الأنبار و عين التمر، أي نحو المناطق الآهلة بالقبائل العربية المتنصّرة. أمّا الخليفة نفسه، و من معسكره في ذي القصّة، فقد استنفر قبائل العرب التي انضوت تحت لواء الإسلام، و جهز منها ثلاثة جيوش، بحسب الرواية، و أنفذها إلى بلاد الشام. و بغض النظر عن التباين بالتفصيلات فقد كانت كالتالي: ١) جيش بقيادة عمرو بن العاص، و وجهته المقاطعتان البيزنطيتان- فلسطين الأولى و الثالثة، أي وسط البلاد و جنوبها؛ ٢) جيش بقيادة شرحبيل بن حسنة، و وجهته فلسطين الثانية، أي الغور الشمالي و الجليل و مرج ابن عامر و الجلعاد (شرقي الأردن)؛ ٣) و الجيش الثالث بقيادة يزيد بن أبي سفيان، و وجهته دمشق و أطرافها.
و يظهر أن الخليفة اختار هؤلاء القادة بناء على علاقات سابقة لهم بالمناطق التي توجهوا إليها.
و على كل حال، فإن أي ترتيب مسبق قد يكون اتخذ في البداية، لم يصمد على أرض الواقع بعد أن احتدمت الاشتباكات العنيفة. و يبدو أن كلا من الطرفين أخطأ التقدير بالنسبة إلى نوايا الآخر و سلوكه. فالبيزنطيون استخفوا في البداية بحجم الخطر الكامن في هذه الحركة العربية، و اعتبروها غزوة طارئة، مثلها مثل سابقاتها من العمليات الحدودية بقصد النهب و المغانم، و لم يسارعوا إلى اتخاذ الإجراءات و الإعداد لمواجهة الخطر بما يستوجبه حجمه. أمّا العرب، فقد أرادوا بداية حصر نشاطهم بالقبائل العربية، و تحاشي الاشتباك بالجيش البيزنطي النظامي، بالابتعاد عن مهاجمة المدن و محاصرتها. غير أن حركة البيزنطيين العسكرية، و حشد قوات كبيرة ضد عمرو بن العاص في فلسطين، اضطر القادة العرب إلى التجمع و حشد القوات،