الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٧٢
تحتمس إلى مهاجمتها و احتلالها. و ظل الصراع قائما بين ميتاني و مصر حتى سنة ١٤١٥ ق. م.، إذ عقد الطرفان معاهدة سلام بينهما، قامت على أساس نوع من توازن القوى.
و يتضح من الإجراءات التي اتخذها تحتمس الثالث إنه اعتبر الأراضي التي فتحها في بلاد الشام وحدة خاصة في الإمبراطورية المصرية. و الظاهر أنه أبقى على التقسيم الإداري كما كان أيام الهكسوس، و في أغلب الأحيان، أبقى على الحكام المحليين الذين أقسموا على الطاعة و الولاء له. إلّا إنه عين مندوبين له لمراقبة الأوضاع، و جباة لجمع الضرائب و الأتاوات، و رفدهم بحاميات عسكرية، و أقام قلاعا لهذه الحاميات، كما في بيسان مثلا، و علاوة على ذلك، كان يقوم بين الحين و الآخر بحملة عسكرية، ربما سنوية، لتدعيم هيبته، أو لقمع تمرد ما.
و لضمان ولاء الحكام و النبلاء له، عمد تحتمس إلى أخذ بعض أبنائهم رهائن في بلاطه. و منهم من خدم في جيش الفرعون، و تثقف على خدمته و الولاء للحضارة المصرية، و من صفوفهم استبدل الفرعون الحكام الذين تمردوا عليه. و كان المنظور الفرعوني العام إزاء هذه الولايات أنها بمثابة حزام أمني لأراضي الإمبراطورية في مصر، و مصدر للدخل و المواد الخام و البضائع. و فضلا عن المهمات القتالية عند الحاجة، و الإجراءات الأمنية الجارية، كانت الولايات تدفع ثلاثة أنواع من الضرائب:
١) عينية: منتوجات زراعية و صناعية تحتاجها مصر؛ ٢) طاقة بشرية: عمال في المعابد و أراضي الملك و النبلاء؛ ٣) فتيان للخدمة في بلاط الفرعون و جيشه، و فتيات للعمل كإماء في قصور الطبقة الحاكمة.
و الانتصارات التي حققها تحتمس الثالث، بإخضاع بلاد الشام و تحجيم دولة ميتاني، جعلته القوة الرئيسية في الشرق الأدنى القديم، و أصبح الجميع يخطب ودّه، و يرسل إليه الهدايا، و يسعى لإقامة علاقات صداقة معه. و لكن ذلك لم يدم طويلا.
فالضرائب الثقيلة التي فرضها على السكان أرهقت كاهلهم، و الأتاوات التعسفية التي اقتصها منهم، بالمال و الرجال، ضيقت عليهم الخناق، و بالتالي زادت في حدة التذمر، و تحيّن الفرص للتمرد. و قد وقع ذلك فعلا، الأمر الذي اضطر خلفاء تحتمس إلى القيام بحملات جديدة لقمع الاضطرابات. و قد لجأ هؤلاء إلى سياسة الإجلاء الجماعي للسكان المحليين إلى مصر،، و تشغيلهم هناك في الأعمال العامة، أكان ذلك للملك أو للمعابد.
و بعد توقيع معاهدة الصداقة بين ميتاني و مصر، سادت فترة من السلام في المنطقة، و خصوصا بعد تحديد مناطق النفوذ بينهما في بلاد الشام، و بالتالي تبعية