الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٢٠١
لقد ترك سقوط إديسا انطباعا عميقا في أوروبا، و قلقا شديدا بشأن مصير الفرنجة في الشرق. و بينما كانت أوضاع الكرسي الرسولي في روما متأزمة، و كانت طبقة النبلاء في فرنسا غير متحمسة لحملة صليبية جديدة، بعد ما خبرته من نتائج الحملة الأولى، تحرك ملكا فرنسا و ألمانيا. و كان ملك فرنسا، لويس السابع، المحرك الحقيقي لهذه الحملة. و عبر الراهب بيرنارد دو كليرفو، أثار حماسة الناس، و أقنع كونراد الثالث، ملك ألمانيا بالمشاركة فيها. إلّا إن أنباء الحملة أزعجت إمبراطور بيزنطة، مانويل الذي راح يحصن أسوار القسطنطينية، حذرا من قائدي الحملة، اللذين لم يكن يطمئن إلى نواياهما إزاءه. و قدّر مانويل أن الحملة الجديدة ستفسد عليه خططه تجاه الكيانات الصليبية في الشرق. فهي ستعزز رفض حكامها الاعتراف بسيادته عليهم، و الأهم أن حملة كهذه، يشارك فيها ملك فرنسا، حليف روجر النورماني، ستقوي إمارة أنطاكيا في صراعها مع الإمبراطور. و كان النورمان في صقلية قد احتلوا بعض الأراضي التابعة لإمبراطور بيزنطة في إيطاليا و اليونان.
و كانت تلك الحملة فاشلة من النواحي جميعها. و إذ لم تستطع استعادة إديسا، فإنها بهجومها الطائش على دمشق دفعتها إلى الوحدة مع نور الدين زنكي. و بداية أراد مانويل أن يسمى قائدا للحملة، أملا في قيادة العالم المسيحي، و عندما لم تتحقق رغبته، اتخذ موقفا سلبيا من الحملة. و المصادر الغربية تتهمه بالتآمر مع الأتراك ضد الجيش الألماني، من أجل إفشال الحملة. و بغض النظر عن الاتهامات، فالحملة الخائبة زادت في ابتعاد الحملات الصليبية عن هدفها المعلن، و نقلت الصراع إلى المعسكر الأوروبي، و بالتالي استنكاف الناس عنها. ففي الطريق إلى القسطنطينية، سلك الجيشان- الألماني و الفرنسي- البرّ، و على طول الطريق أثارا السكان المحليين ضدهما. و عندما وصلا، و عسكرا خارج أسوار القسطنطينية، أوجدا حالة من التوتر معها، شارفت على الاشتباك العسكري، الأمر الذي اضطر الإمبراطور إلى اللجوء إلى الحيلة للتخلص من وجود الجيشين خارج أسوار عاصمته.
و بداية سارع الإمبراطور إلى نقل الجيش الألماني شرقا، إلى آسيا الصغرى، بعد أن أقنع قريبه كونراد بذلك. و منذ وصوله إلى البر الآسيوي، كان الجيش الألماني يعاني قلة المؤن، و الفوضى في التنظيم. فوقع فريسة في يد السلاجقة، و قلة منه فقط استطاعت العودة إلى نيقيا. و كان الجيش الفرنسي قد وصل في إثر رحيل الجيش الألماني، و عسكر خارج أسوار القسطنطينية. و في هذه الأثناء، وصلت إلى الفرنسيين أنباء الغزو الناجح الذي قام به روجر (النورماني) على اليونان، كما أطلقت إشاعات بشأن تواطؤ الإمبراطور مع الأتراك في هزيمة الألمان، و ثار القادة العسكريون