الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٤٠٨
و انسجاما مع سياسة «الهجوم من أعلى» التي انتهجتها المنظمة الصهيونية، فقد سارعت إلى تشكيل المؤسسات التي اعتقدت أنه من خلالها يمكن تجسيد مشروعها الاستيطاني. فبدأت بتنظيم جهاز السلطة- الوكالة اليهودية بأطرها التنفيذية و التشريعية. و من ثم أقامت مؤسسات تهويد فلسطين و تمويله، و كذلك و بالتعاون مع سلطات الانتداب، شكلت إدارة ذاتية لشؤون المستوطنين، كانت بمثابة حكومة خاصة داخل الحكومة العامة. كما بدأت بتشكيل منظمات إرهابية مسلحة، لتدعيم سياستها الاستيطانية بالقوة العسكرية. و مع ذلك، فقد ظلت إنجازاتها في فلسطين متواضعة خلال العشرينات. و يعود ذلك أصلا إلى أنها لم تكن مهيّأة للسيطرة على البلد، حتى بمساعدة الانتداب. فقد كانت تعاني نقصا بالطاقة البشرية، و عجزا بالموارد المالية، الأمر الذي وضع أحيانا علامة استفهام على صدقيتها و فاعليتها، حتى في نظر القريبين منها.
أمّا العامل المهم الآخر الذي اصطدمت به الصهيونية في سعيها لتجسيد مشروعها، و بسرعة، فهو المقاومة العربية العنيفة، التي لم تكن تتوقعها، و لم تعد لها العدة. و حاولت أن توظف سلطات الانتداب في قمعها و إخضاعها، و بصورة فظة، أملتها عليها تطلعاتها المفرطة في غلوائها، من جهة، و عدم أهليتها الذاتية لتجسيد تلك التطلعات من جهة أخرى. و إذ لم يكن في قدرتها تهويد فلسطين باليهود، فقد ارتأت تحقيق ذلك الغرض بتغييب شعبها عنها. فمارست الأوساط الصهيونية ضغوطا على حكومة الانتداب للتضييق على العرب الفلسطينيين لتهجيرهم. و قامت وسائل الإعلام الصهيونية بحملة واسعة لتغييبهم حضاريا و ثقافيا، و حتى لنفي وجودهم المادي الجسدي، و تشويه وجههم الحضاري بتحميلهم وزر ما لحق بالبلد من خراب، و أنها أصبحت صحراء قاحلة تستصرخ المستوطنين لإعمارها، كما ادعت أبواق الإعلام الصهيوني. و كان كلما زاد تواطؤ سلطات الانتداب مع الأهداف الصهيونية، و تحرك الطرفان لتجسيد وعد بلفور، ولّد ذلك ردة فعل مضادة من جانب العرب الفلسطينيين، و زاد في احتدام التناقض بين الطرفين في حركة لولبية متصاعدة، الأمر الذي رفع حدة المواجهة بينهما، وصولا إلى الثورة.
سادسا: الطريق إلى الثورة
لقد تضافرت جهود حكومة الانتداب البريطاني في فلسطين، مع النشاط الصهيوني الاستيطاني المحموم لتهويدها- الأرض و الشعب و السوق- على جعل ثورة السكان العرب المحليين مسألة حتمية. و الشروط الموضوعية لمثل هذه الثورة