الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٤٨٥
الثورة الفلسطينية كانت تضمحل بوتيرة متسارعة، جاء تحت تأثير التضامن العربي مع الشعب الفلسطيني. و بينما كانت بريطانيا تعد لدخول الحرب مع ألمانيا، فقد طلبت من الدول العربية التدخل لإنهاء الثورة، استنادا إلى وعودها بإيفاء الشعب الفلسطيني حقه في وطنه. لقد قدرت بريطانيا أهمية وقوف العرب إلى جانب الحلفاء في الحرب، وسعت لاسترضائهم، بعد أن جعلت القاهرة مركزا لقيادة قواتها في الشرق الأوسط، و قد نجحت في سعيها. و كان طبيعيا أن تثور المنظمة الصهيونية على هذه السياسة. و غداة إعلان حكومة لندن بيانها الجديد، قامت تظاهرات يهودية في فلسطين، أعلن في إثرها بن- غوريون، الذي كان يشغل منصب رئيس الوكالة اليهودية، ما يلي: «إن التظاهرات اليهودية التي وقعت أمس تشير إلى بداية المقاومة اليهودية للسياسة الكارثية التي تقترحها حكومة جلالته. و اليهود لن يذعنوا لها بالإرهاب، حتى لو أريق دمهم. و في إخضاعنا لها، فإن المسؤولية عما يمكن أن يجري في هذا البلد جرّاء فرض تلك السياسة بالقوة، تقع كاملا على عاتق الحكومة.»[١]
و على أرضية التحالف العربي مع بريطانيا في الحرب، و بعد أن فترت الثورة، و عمدت السلطات العسكرية في فلسطين إلى العمل بالأحكام العرفية و قوانين الطوارىء و القمع السياسي، استكان عرب فلسطين إلى الأمل الذي عقدوه على تنفيذ حكومة بريطانيا و عودها الواردة في الكتاب الأبيض لعام ١٩٣٩. في المقابل، فالمنظمة الصهيونية، التي انتهزت نشوب الحرب العالمية الأولى لاستصدار وعد بلفور، رأت في الحرب الثانية فرصة مواتية لتأسيس الكيان الصهيوني و الإعلان عن قيامه. و هذا الهدف هو الذي حكم تصرف المنظمة و نشاطها خلال الحرب، و بناء عليه، نقلت مركز نشاطها إلى الولايات المتحدة، و بالتالي ربطت مصير مشروعها الاستيطاني بدور أميركا في الحرب، و موقعها الدولي بعد انتهائها، و استراتيجية واشنطن إزاء المنطقة بعد الحرب، و في ضوء نتائجها. أمّا إزاء بريطانيا، فقد انتهجت الوكالة اليهودية خطا سياسيا، عبّر عنه دافيد بن- غوريون بالشعار: «مساعدة البريطانيين ضد هتلر و كأنه لا يوجد كتاب أبيض و مقاومة الكتاب الأبيض و كأن لا حرب هناك.» لكن المنظمة الصهيونية، و لاعتبارات موازين القوى الدولية، و ما توقعته من نتائج الحرب، ألقت عصا الترحال في الولايات المتحدة، معتبرة إياها «البلد الأم» الجديد للمشروع الصهيوني.
[١]John Hadawi ,op .cit .,Vol .I ,p .٦٢٣ .