الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٣٤٣
البلد. لكن النصف الثاني من القرن التاسع عشر، أبرز أهمية فلسطين الاستراتيجية، و خصوصا بعد حفر قناة السويس، و من ثمّ شراء بريطانيا أسهم مصر فيها، و بالتالي احتلالها البلد بأكمله (١٨٨٢ م). و منذئذ، تعززت أطماع بريطانيا في فلسطين، و راحت حكومتها، و خصوصا وزارة المستعمرات فيها، و تحت إلحاح موظفيها في القاهرة، تنظر إلى فلسطين كخط دفاع عن مصر و قناة السويس.
و عبر العصور، تبدلت الأسباب التي أعطت لفلسطين أهميتها في حسابات القوى المتصارعة للهيمنة على الشرق الأوسط. و في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، عادت المواصلات الدولية لتبرز أهمية فلسطين الاستراتيجية. و قد دفع تنامي الرأسمالية الأوروبية، في مرحلتيه- التجارية و الصناعية- إلى تطور وسائل النقل و طرق المواصلات. و حتى بعد اكتشاف رأس الرجاء الصالح، لم تتلاش أهمية البحر الأبيض المتوسط، و شرقه تحديدا، في المواصلات الدولية. فقد ظلت السفن الصغيرة تفضل الإبحار في المتوسط الهادىء نسبيا، على المغامرة في مياه الأطلسي المائجة. و لكن المنعطف الكبير وقع بعد حفر قناة السويس، في فترة كانت فرنسا تتمتع بالأفضلية في مصر، فتعزز موقعها هناك أكثر، الأمر الذي أثار بطبيعة الحال قلق بريطانيا، وصولا إلى الإقدام على احتلال مصر. و نظرا إلى ما جرّه ذلك من انعكاسات في إستنبول، فقد تغيرت سياسة بريطانيا تجاه سلامة و وحدة أراضي السلطنة. و بعد فترة طويلة من استقرار السياسة البريطانية على مبدأ الحؤول دون تفتيت السلطنة العثمانية، بدأت لندن تبدل وجهة نظرها، و تضاعف جهودها لتوسيع مناطق نفوذها، انطلاقا من اقتناعها بأن هذه المناطق ستصبح مستعمرات في المستقبل القريب.
و بعد أن احتلت بريطانيا مصر، تبنت سياسة فرنسا أيام محمد علي بالنسبة إلى بلاد الشام، أي السيطرة عليها، أو على الأقل جنوبها، كخط دفاع عن مصر.
و اصطدمت سياسة بريطانيا هذه بالوجود الفرنسي، الذي ضرب جذورا عميقة في لبنان، و منه سعى للتمدد في الاتجاهات جميعها و بالتالي العمل على حصر النفوذ البريطاني في مصر، و بذلك اكتسبت فلسطين مزيدا من الأهمية. و بريطانيا، التي أرادت في أيام بالمرستون إقامة كيان سياسي يهودي في فلسطين لمحاصرة التمدد الفرنسي عبر محمد علي، صارت الآن تريد إقامة هذا الكيان للدفاع عن قناة السويس، أو لمحاصرة النفوذ الفرنسي في لبنان. و باقتراب نهاية القرن التاسع عشر، اتخذت المنافسة بين بريطانيا و فرنسا طابعا ماليا اقتصاديا. و راحت الدولتان توظفان مبالغ كبيرة في المشاريع الاستثمارية داخل أراضي السلطنة. إضافة إلى القروض للخزينة