الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٤٧٥
التالي، هاجم عدد كبير من الثوار مطار اللد، فاحتلوه و أحرقوا منشآته. لقد انتهت الهدنة، و انطلقت الجولة الثانية من الثورة التي كانت موجهة في الأساس ضد حكومة الانتداب و القوات البريطانية. و كان تجدد الثورة لطمة قوية لسياسة بريطانيا و مشروع التقسيم، كما للقلة العربية التي راودتها فكرة القبول به، و تكريسا لزعامة المفتي على الرغم من غيابه، فقررت حكومة لندن (٨ كانون الأول/ ديسمبر ١٩٣٧ م) مبدئيا أن تنفيذ مشروع التقسيم ليس عمليا.
و اشتعلت الثورة في جميع أنحاء البلاد، و لم تتوقف حتى نشبت الحرب العالمية الثانية (١٩٣٩ م). و في البداية، عمدت السلطة إلى أساليب القمع و التدابير التعسفية و المحاكم العسكرية، التي خوّلت صلاحيات الحكم بالإعدام على كل من يحمل السلاح (قوانين الطوارىء). و كان الشيخ فرحان السعدي، من رفاق القسام، أول من طالته هذه المحاكم، فأعدم بتاريخ ٢٨ كانون الأول/ ديسمبر ١٩٣٧ م، في سجن عكا، عن عمر يناهز ٧٥ عاما، و هو صائم في شهر رمضان. و زاد إعدامه في اشتعال الثورة، لما كان يتمتع به من سمعة ثورية و صفات جليلة. لكن أحكام الطوارىء لم تثن عزيمة الثوار، بل نفحت فيهم روح التحدي. و في خريف سنة ١٩٣٧ م، عاد عبد القادر الحسيني إلى القدس، قادما من سورية برفقة مجموعة من الثوار، و اتخذ من جبال القدس و الخليل مسرحا لعملياته. ثم قام بعدة هجمات على قوافل الجيش و المستعمرات اليهودية، و اضطر الحكومة إلى إيقاف سير القطارات على خط القدس- اللد. و من أكبر المعارك التي خاضها معركة عرطوف. و بلغ مجموع العمليات العسكرية التي قام بها الثوار سنة ١٩٣٧ م في فلسطين ٥١١ عملية، قتل فيها ٢٧٦ بين بريطاني و يهودي، و استشهد الكثيرون من الثوار.
و شهدت سنة ١٩٣٨ م تعاظما ملحوظا للثورة، وصل ذروته في صيف تلك السنة، إذ سيطرت على مناطق واسعة في الريف، كما على بعض المدن. و شكلت الثورة أجهزة موازية لأجهزة الحكومة في مناطق نفوذها، راحت تمارس سلطتها على الناس. و بعد سيطرتها على الريف، بدأت تشن الهجمات على دوائر الحكومة و قواتها في معظم مدن فلسطين، و احتلت عددا منها لفترات متفاوتة، الأمر الذي اضطر الحكومة إلى إخلاء بعضها، و الاكتفاء ببسط سلطتها على أجزاء محدودة من تلك المدن، و الاعتصام بعمارات البوليس التي عرفت باسم «عمارات تيغارت» على اسم الضابط الذي طرح فكرتها. و احتل الثوار مدينة الخليل في شباط/ فبراير ١٩٣٨ م، و مرة ثانية في أيار/ مايو ١٩٣٨ م، و جنين في آذار/ مارس و بيسان في نيسان/ أبريل و بئر السبع في أيلول/ سبتمبر و القدس القديمة من ١٣ إلى ٢٠ أيلول/ سبتمبر و طبرية