الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٤٥٧
الأخير في مقبرة «بلد الشيخ»، في موكب مهيب و ضخم، حضره الكثيرون من زعماء البلاد و جماهير غفيرة. و بعد استشهاد القسام، تولى خليل محمد عيسى قيادة الحركة، و بعد فترة من إعادة التنظيم، عاودت نشاطها في جبال شمال فلسطين، و قامت بهجمات متعددة على المستعمرات اليهودية و مراكز الشرطة و الجيش. و ظل رجالها معتصمين في الجبال مدة ستة أشهر، إلى أن نشبت «الثورة الكبرى» (أيار/ مايو ١٩٣٦ م)، فانضم القساميون إليها، و أبلوا فيها بلاء حسنا. و من أبرزهم: خليل محمد عيسى (أبو إبراهيم الكبير) و محمد صالح الحمد و الشيخ عطية أحمد عوض و يوسف سعيد أبو درّة و الشيخ فرحان السعدي و توفيق إبراهيم (أبو إبراهيم الصغير) و غيرهم.
و أهمية حركة القسام ليست في إنجازاتها المباشرة، و إنما في دلالاتها و آثارها على مسار النضال الفلسطيني اللاحق. ففي عملية المواجهة الشاملة، التي احتدم التناقض فيها، بين المشروع الصهيوني، المدعوم من حكومة الانتداب، و بين الحركة الوطنية الفلسطينية، كانت الأخيرة تفتقد إلى عنصر أساسي يمتلكه الأول، و هو القوة العسكرية. ففضلا عن التشويه الفكري الذي نشره بشأن طبيعته و التزييف الإعلامي بشأن أهدافه و التطويع السياسي الذي مارسه لإخضاع الحركة الوطنية الفلسطينية لإملاءاته، كان المشروع الصهيوني يستند إلى أداة عسكرية، يهودية و بريطانية، مهيّأة عند الحاجة لاستعمال القوة لسحق تلك الحركة. و الأكيد أنه في الصراع التناحري، عندما يعمد أحد الطرفين إلى استخدام القوة، فإنه لا يترك مجالا للآخر غير اللجوء إليها أيضا، و إلّا حسم الصراع لمصلحة من يمتلكها. و من هنا أهمية حركة القسام في دلالتها، مع أنها، في الأوضاع الفلسطينية القائمة، لم يأت نشاطها مكملا لعمل الحركة الوطنية بفصائلها الأخرى، و لم يكن جزءا عضويا من العمل الوطني الفلسطيني العام، بل لعل بعض أطرافه اعتبر حركة القسام بديلا منه. و في هذا تكمن نقطة الضعف الرئيسية لحركة القسام، التي لم تعمر طويلا. و مع صحة منطلقاتها النظرية، إلّا إنه اعتورها الشرخ بين النظرية و التطبيق. فإدارة الكفاح المسلح على الساحة الفلسطينية آنذاك، كانت تستلزم أكثر من النية الصادقة للشيخ عز الدين القسام و أعضاء حركته الثورية.
لكن دم الشهيد القسام و رفاقه لم يذهب هدرا، إذ شكّل عمله، بل موته، عاملا إضافيا لتفجير الثورة الكبرى (١٥ نيسان/ أبريل ١٩٣٦ م). فالأسباب التي حفزت القسام على إعلان الكفاح المسلح لم تختف، بل على العكس تفاقمت، و زاد فيها استشهاد الشيخ، و ما حركه من مشاعر النقمة بين الجماهير. كما أن المجموعات التي نظمها استمرت في حرب العصابات على السلطة، و استقطبت إليها مناضلين آخرين،