الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٣٠٦
السماسرة العاملين لمصلحة الحركة الصهيونية. و يورد محمد روحي الخالدي في مخطوطة كتابه عن الصهيونية (١٩١١ م) أن البائعين كانوا من الملاكين الغائبين، و بعضهم من أسر لبنانية، أو فلسطينية من طبقة «الأفندية»، أو الحكومة العثمانية التي كانت تبيع أراضي الفلاحين العاجزين عن دفع الضرائب بالمزاد العلني. و في الواقع، فإن ارتفاع أسعار الأراضي بصورة غير طبيعية، و بالتالي ازدهار السمسرة بالعقارات، شكلا حافزا للحكومة العثمانية على تشديد القيود على عمليات البيع، و تشكيل اللجان للتدقيق في نقل الملكيات، و الأخرى العاملة في أوساط الرأي العام للتحريض ضد تلك العمليات. و قد بلغت مساحة الأراضي التي اشتراها الصندوق القومي اليهودي، عشية الحرب العالمية الأولى نحو ٧٠٠، ٤٢٠ دونم، أقيم عليها ٤٧ مستعمرة في مناطق متعددة من فلسطين.
و على الرغم من بروز «المسألة الصهيونية»، و بالتالي «القضية الفلسطينية» في «الحركة القومية العربية»، و خصوصا «الوطنية الفلسطينية»، قبل الحرب العالمية الأولى، فإن الأولوية في النشاط السياسي العربي كانت للعلاقة مع الدولة العثمانية، من جهة، و مع الدول الأوروبية و دورها في دعم الاستقلال العربي، من جهة أخرى.
في المقابل، ففي الفترة إياها، حسم الأمر داخل «الحركة الصهيونية» على اعتماد فلسطين قاعدة للمشروع الصهيوني، و رفض الأمكنة الأخرى البديلة. و بناء عليه، شكلت هذه المرحلة، و على هذا الأساس، بداية تمايز مضمون «الحركة الوطنية الفلسطينية» من «الحركة الأم» (القومية العربية)، لما تميّز به ذلك المضمون من تركيز على الصهيونية. و قد وجهت صحيفتا «الكرمل» و «فلسطين» نقدا شديدا إلى المؤتمر العربي الأول (١٩١٣ م) في باريس، لأنه ركز مداولاته على مسألة الاستقلال الذاتي، و لم يول اهتماما كافيا للمسألة الصهيونية. هذا على الرغم من وحدة موقف القوى السياسية الفلسطينية من الصهيونية، و تعاطف القوى القومية العربية مع هذا الموقف، لكن القضية الملحّة في المؤتمر كانت تتمحور حول مصير العلاقة بين الأمة العربية و الدولة العثمانية، الأمر الذي حسمته الحرب العالمية الأولى.