الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٢٥٠
الكرجي (١٧٦٠- ١٧٧١ م) الذي احتل موقع سيده أسعد باشا العظم، مكافأة له من الباب العالي على الغدر بولي نعمته، و حاول الكرجي إقناع إستنبول بضرورة القضاء على الشيخ الزيداني. لكن إستنبول لم تكن في موقع تقديم المساعدة اللازمة لذلك، نظرا إلى كونها مشغولة بالحرب مع روسيا. و اتبع الباب العالي سياسة زرع الشقاق بين أفراد عائلة الزيداني، و حرضت، عبر الكرجي، أبناء ظاهر العمر على أبيهم، كما فعلت في لبنان، بين «الجانبلاطية» (الجنبلاطية) و «الأزبكية» (الأرسلانية)، و كذلك بين الشيعة في جبل عامل- ناصيف النصار و الشيخ قبلان. و تداخلت هذه الزعامات المحلية في الصراعات، و شغلت بها. و لكن على الرغم من المشكلات الداخلية (تمرّد أبنائه عليه)، و الصراعات مع الجوار، بما في ذلك مع والي صيدا، الذي راح يخشى تزايد قوة ظاهر العمر، استطاع هذا الأخير، عبر التحالف مع حاكم مصر، علي بك الكبير، و استغلال التناقضات بين الجيران، و احتواء الصراع بين أبنائه و معهم، عبر تخويفهم من الخطر الداهم عليهم جميعا، أن يحمي نفسه و يحافظ على موقعه.
و كثافة تدخل والي دمشق في شؤون ظاهر العمر، من دون القدرة على حسم الصراع معه بغياب دعم جدي من إستنبول، دفعت ظاهر العمر إلى التحالف مع علي بك الكبير في مصر. و كان هذا المملوك قد تمرد على السلطان، و في سنة ١٧٧٠ م، أرسل صهره و قائد جيشه، محمد بك أبو الذهب، فاحتل غربي الجزيرة العربية. و في السنة التالية (١٧٧١ م)، أرسل حملة إلى سورية، و بالتعاون مع ظاهر العمر، استطاع فيها احتلال دمشق بسهولة نسبية، لما كانت تشهده بلاد الشام من تفتت و صراعات بين مراكز القوى، و ما يسود سكانها من حالة تذمر لسوء تصرف عثمان الكرجي. لكن الأهم هو استغلال علي بك الكبير فرصة انهماك السلطنة في الحرب مع روسيا، فعزم على التوسع في سورية، مستفيدا من الأوضاع فيها، و من التحالف مع روسيا، الذي جرى التعبير عنه في اتفاق عقد مع الكونت أورلوف، قائد الأسطول الروسي في البحر الأبيض المتوسط. و قد قدّم هذا الأسطول الدعم لعلي بك في أثناء الحملة، فقصف بيروت، و أنزل فيها بعض القوات (١٧٧١ م).
و منذ تولى دمشق (١٧٦١ م)، لم ينفك عثمان الكرجي عن محاولة انتزاع الأراضي و المدن التي أخذها ظاهر العمر بالقوة من يده. و جرى الصدام الأول بعد شهرين من تعيينه، إذ احتل الطنطورة، و تقدم نحو حيفا، لكنه فشل في احتلالها.
و في السنة نفسها، قام بحملة أخرى على عكا، و احتل قلعتها لمدة عام. لكن ظاهر العمر لم يلبث أن استعادهما، و عمد إلى تحصينهما، و خصوصا عكا. و خلال