الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٨٣
الأشوريين للتحرك و ملء الفراغ الذي تشكل، من جهة، و أمام الأراميين للبروز كقوة في قلب سورية، مركزها دمشق، من جهة أخرى. و كذلك، و إلى الجنوب تحرك العمونيون و المؤابيون و المدينيون و الأدوميون و الإسرائيليون، لتثبيت استقلالهم على الأراضي الواقعة في أيديهم و توسيعها، و خصوصا على حساب الكنعانيين، في وسط فلسطين و جنوبها.
و لأسباب متعددة، أدّت الدراسات التوراتية دورا فيها، يبرز الفلسطيّون إلى جانب الإسرائيليين، من دون سواهما، في أعمال المؤرخين و الأثريين. و في المقابل، يغيب عن هذه الأعمال، بدرجات متفاوتة، الدور الذي قام به سكان البلد الأصليون- الكنعانيون- و كذلك نتائج استقرار القبائل العمورية و الأرامية، التي كانت تجوب هضبة شرقي الأردن، و راحت تقيم ممالكها الخاصة و تبلور شخصيتها.
فالتوراة هي الشاهد الوحيد المكتوب تقريبا على المرحلة التي سبقت قيام مملكة إسرائيل. و بغياب مصادر أخرى، و الجنوح نحو توظيف علم الآثار في خدمة الرواية التوراتية، و بالتالي تغييب القوى الأخرى: الكنعانيين و العمونيين و المؤابيين و المدينيين و الأدوميين، تبقى صورة تاريخ فلسطين لهذه الفترة مشوهة.
و قد غلب على شعوب البحر اسم الفلسطيين مع أنهم كانوا جماعات متعددة، و تذكر المصادر ائتلافا بين سبع منها، سبق صدام رعمسيس الثالث بهم في عام حكمه الثامن، أي نحو سنة ١٢٠٠ ق. م. ففي ذلك العام قام الفرعون بحملة على الساحل السوري- الفلسطيني، و هزم فيها الغزاة. و المصدر الوحيد للمعلومات عن هذه الحملة هو سجل رعمسيس نفسه، المحفوظ في قبره بمدينة طيبة. و لقد وصل رعمسيس الثالث إلى الحكم بعد موت والده رعمسيس الثاني، و بعد فترة من عدم الاستقرار الداخلي في مصر حيث دام حكمه ٢٥ عاما. و استطاع في السنوات الأولى من توليه الحكم دحر الغزاة، أكانوا من الغرب (ليبيا)، أو من الشمال- شعوب البحر.
و حركة شعوب البحر دشّنت عصرا جديدا في تاريخ الشرق الأدنى القديم، هو عصر الحديد. و إذا كان العامل الموضوعي لتغلغل هؤلاء الغزاة في الجناح الغربي من الهلال الخصيب هو ضعف القوى المحلية، و عجزها عن صدهم و دحرهم، كما كانت تفعل سابقا، فإن العامل الذاتي لذلك الغزو لا يزال مسألة تباينت فيها آراء المؤرخين.
و إذ يسود الاقتناع بين الباحثين بأن دوافع هذه الحركة الجامحة تكمن في التطورات التي وقعت في بلاد اليونان و بحر إيجة و غرب الأناضول، فإن الحوافز المباشرة لهذه الهجرة الواسعة، لا تزال تثير نقاشا بينهم. ففي غياب المصادر الكافية، تتضارب