الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٢١٤
الطرفان في معركة شرسة في ٧ أيلول/ سبتمبر ١١٩١ م، كان النصر فيها للصليبيين.
فاحتلوا أرسوف، ثم يافا، التي أعاد ريتشارد بناء مينائها ليكون الثالث بعد عكا و صور فى أرض ما تبقى من مملكة أورشليم، إضافة إلى أنطاكيا و طرابلس. و بعد أرسوف توجه صلاح الدين إلى القدس لتحصينها، بعد أن دمر وراءه اللد و الرملة و اللطرون.
و تبعه ريتشارد، إلّا إنه غير رأيه عند مشارف القدس لاقتناعه بعجزه عن أخذها عنوة.
و في ٢ أيلول/ سبتمبر ١١٩٢ م، توصل الطرفان، بعد مفاوضات طويلة، إلى اتفاق، أقيمت بموجبه مملكة صليبية، مركزها عكا (سان جان داكر)، و حدودها في الشمال صور، و في الجنوب يافا، و تضم الشريط الساحلي في السهل من دون الجبل، و منطقة الرملة مقسمة بين الطرفين، و للمسيحيين الحق بزيارة الأماكن المقدسة في القدس و الناصرة.
في هذا الصلح بين صلاح الدين و ريتشارد قلب الأسد، دخلت عوامل متعددة.
فعدا العلاقات الشخصية التي نسجت بين الاثنين على ساحة المعركة، كانت هناك عوامل موضوعية. فبالنسبة إلى صلاح الدين، كانت الحرب التي خاضها طوال ما يقارب العقدين قد أنهكت جيشه، و أفرغت خزائنه، و خصوصا أن بقية الحكام المسلمين لم يقدموا له أية مساعدة تذكر، بل على العكس. و أمّا ريتشارد، فقد جرح في معركة أرسوف، ثم مرض، و بلغه خبر الانقلاب الذي قام به أخوه عليه في إنكلترا، فاستعجل العودة. و قبل أن يغادر حسم مسألة الملك في عكا لمصلحة مونتفرات، الذي ما لبث أن اغتالته الإسماعيلية، فعين ريتشارد مكانه ابن أخته هنري دو شامبين. أمّا ملك أورشليم السابق، غي دو لوزينيان، فقد اشترى جزيرة قبرص من ريتشارد، و أقام فيها ملكا صليبيا، دام ثلاثة قرون تقريبا (١١٩٢- ١٤٧٢ م)، و ظل نشطا في العمل ضد الشرق حتى سقط بأيدي العثمانيين.
و بعد الصلح الذي يبدو أنه كان مرغوبا فيه من الجانبين، عاد صلاح الدين إلى دمشق، ليأخذ استراحة المقاتل بعد عشرين عاما من الجهاد غير المنقطع. فوافته المنية في ٣ آذار/ مارس ١١٩٣ م. و ظل صلاح الدين رمزا لفروسية القرون الوسطى، يشهد له بذلك أولياؤه و أعداؤه، في الشرق كما في الغرب. ففضلا عن قدراته العسكرية و القتالية، و تشبثه بالهدف و جلده على تحمل الأعباء في الصراع الطويل، عرف صلاح الدين بالزهد في حياته، و بمكارم الأخلاق و المروءة و حسن المعشر.
و كان يميل إلى العلم و الأدب، و يرعى الحرمات و يخاف اللّه. و من هنا، ظل شخصية تاريخية مرموقة طوال القرون. و قد ذاع صيته في حياته، كما أصبح أسطورة بعد مماته، ليس في المشرق فحسب، بل في المغرب أيضا. و كتب عنه الأوروبيون