الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ١٥٦
مهم على حدود الإمبراطورية، سواء تجاه الفرثيين، أو القبائل العربية المتنقلة. و قد سيطر الأنباط على جنوب فلسطين، و خصوصا على طريق التجارة المؤدي إلى غزة عبر النقب، في أراضي الأدوميين، إذ إن البتراء كانت حلقة مركزية في التجارة الدولية بين البحرين- المتوسط و العربي- و كذلك بين الجزيرة العربية و بلاد الشام. و امتد سلطانها في ذروة قوتها ليضم شرقي الأردن كله إلى تخوم دمشق، كما وصل جنوبا إلى شمال الجزيرة العربية. و في مراحل معينة وسعت البتراء نفوذها في فلسطين، وصولا إلى محاصرة أورشليم عشية حملة بومبي الروماني عليها. و طمعا في السيطرة على تجارتها، حاربها البطالسة و الرومان، إلى أن قضى عليها تراجان (١٠٦ م)، و ضمّها إلى أراضي الإمبراطورية، باسم «الولاية العربية».
و بعد هبوط البتراء برزت تدمر (بالميرا) كمركز للتجارة الدولية بين الشرق و الغرب، و ازدهرت نتيجة التطورات الجديدة، التي أدّت إلى تحوّل في طرق التجارة، و خصوصا بعد احتلال الفرثيين لبلاد ما بين النهرين. و استفادت من ذلك تدمر، الواقعة وسط الصحراء السورية، على واحة تتوفر فيها المياه- العذبة و الكبريتية. و تدمر مدينة قديمة، يرد ذكرها من أيام تغلات بلّيسر الأول نحو سنة ١١٠٠ ق. م. و قد حاول أنطونيوس نحو سنة ٤٢ ق. م. احتلالها و الاستيلاء على ثرواتها، لكنه فشل. غير أنها، و لأسباب موضوعية، دخلت في منطقة النفوذ الروماني في عصر الإمبراطورية، و وصلت ذروة ازدهارها في الفترة (١٣٠- ٢٧٠ م)، إذ أصبحت فعلا وارثة البتراء. و كمملكة حدودية، حاولت تدمر توسيع نفوذها، مستفيدة من الصراع بين الرومان و الفرس. و إذ نجحت لفترة، ضمن تضافر أوضاع مواتية، فإنها في نهاية الأمر ذهبت ضحية الانخراط في لعبة القوى الكبرى، إذ لم تتوفر لها الشروط، الذاتية و الموضوعية، للقيام بدور كهذا.
لم تكن تدمر معروفة بنشاطها العسكري، و لكنها اشتهرت بتجارتها، و ذلك بفضل موقعها. و لما تولى الملك فيها أذينة (النصف الثاني من القرن الثالث الميلادي)، كانت تدمر تمتلك قوة عسكرية، من خلال تحالفاتها مع القبائل العربية الواقعة في منطقة نفوذها بعد أن دخلت حلبة الصراع بين روما و فارس كدولة حدودية. و استطاع أذينة سنة ٢٦٠ م أن يهزم شابور الأول، الشاه الإيراني الذي احتل سورية، و أسر الإمبراطور الروماني فاليريان. و بذلك فرض نفسه قوة لا يمكن تجاهلها في الشرق، فعينته روما نائبا للإمبراطور في الشرق، لكنها سرعان ما عملت على التخلص منه غيلة سنة ٢٦٦ م. فخلفته زوجته الزباء (زنوبيا) الشهيرة، و تحدت روما و حققت انتصارات باهرة، لكنها في نهاية الأمر هزمت على يد الإمبراطور