الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٣٨٦
عليه، تبنّته في عصبة الأمم، و أقر فيها على الرغم من تناقضه مع ميثاقها، و أصبح ساري المفعول رسميا بعد معاهدة لوزان، إذ جرى الصلح مع تركيا، مع أنه كان قد طبق فعليا على الأرض منذ تموز/ يوليو ١٩٢٠ م.
لقد استند الانتداب، و بالتالي إدارته في فلسطين برئاسة المندوب السامي إلى الاحتلال العسكري و موازين القوى الدولية، و ليس إلى الشرعية القانونية، أو المعايير الأخلاقية أو الأعراف السياسية. و لم يكن في وسع الحركة الوطنية الفلسطينية أن تمنعه، لكنها لم تستسلم لإرادته أيضا. و بالتناسب مع الحماسة لتهويد فلسطين، الذي بادرت إليه إدارة سامويل، كانت ردة فعل الحركة الوطنية الفلسطينية، أخذا في الاعتبار قدرتها الذاتية على التصدي للانتداب و إجراءاته. و لما كانت مهمة الانتداب المركزية هي تهويد فلسطين، فقد عمدت إدارة سامويل إلى سنّ التشريعات و إصدار المراسيم التي تمهد الطريق لذلك. و تهويد فلسطين يعني نقل ملكية الأرض فيها من أيدي سكانها الأصليين إلى المستوطنين، و تغيير الواقع الديموغرافي بفتح أبوابها للهجرة اليهودية المكثفة، و تمكين المستوطنين من السيطرة على اقتصاد البلد، عبر مؤسسات الحكم و الإدارة. و قد بادرت إدارة سامويل إلى ذلك، حتى و إن كانت المنظمة الصهيونية لا تزال غير مؤهلة لتولي هكذا مسؤولية. و في غياب الآهلية الصهيونية لتهويد فلسطين باليهود، بقي لها الخيار الأفضل الثاني، و هو تغييب سكانها العرب عنها، و بالوسائل المتعددة.
و بالاستناد إلى تخويله سنّ القوانين و إصدار التشريعات، عمد المندوب السامي، مباشرة بعد تسلمه مهماته، إلى اتخاذ سلسلة من الإجراءات الهادفة إلى تعزيز الاستيطان الصهيوني في البلد. فقد أصدر «قانون الهجرة» (١٩٢١ م)، الذي يسمح بدخول ٥٠٠، ١٦ مهاجر يهودي إلى فلسطين سنويا. ثم جرى تعديل هذا القانون في السنوات ١٩٢١ و ١٩٢٥ و ١٩٣٣ م لزيادة عدد المهاجرين المسموح لهم بدخول البلد. و كان التعديل الأخير سنة ١٩٣٣ م و يسمح بدخول أكبر عدد ممكن من يهود أوروبا، بعد وصول الحزب النازي، بزعامة أدولف هتلر، إلى الحكم في ألمانيا. و كذلك، أصدر سامويل قانون نقل ملكية الأراضي (١٩٢٠ م)، بغية تسهيل استملاك الأرض من قبل المؤسسات الاستيطانية الصهيونية. كما أصدر القوانين التي تضيق الخناق على الفلاحين العرب، مثل «قانون أراضي المحلول»، الذي يمنع الفلاحين من توسيع أراضيهم الزراعية، كما كانت العادة في أيام الأتراك. و كذلك «قانون الأرض الموات»، الذي يحظر على الفلاحين ضم «الموات» إلى ملكيتهم، كما كان الحال أيام العثمانيين. و واضح أن جملة هذه القوانين تخدم الأهداف الصهيونية