الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٢١
بالمظهر الشخصي، و هذا ما يوحي بقيام علاقات اجتماعية راقية المستوى.
و من الواضح أننا في الباليوليت الأعلى نقف أمام إنسان قطع شوطا بعيدا في تنظيم حياته، و في صوغ علاقاته الاجتماعية، و السيطرة على المحيط، و التعامل مع البيئة. فحضارته و لا شك أعلى كثيرا من حضارة أسلافه، ليس فقط فيما يتعلق بالأدوات و الأواني و الأغراض الأفضل صنعا، بل في تنوعها و تعدد أوجه استعمالها أيضا. و فضلا عن شظايا الحجارة الصوانية الراقية التصنيع، جرت الإفادة من القرون و العاج. و بين مخلفاته نجد الإبر العظمية و الصنانير و الرماح المسننة و قواذف الأسهم، و كذلك القوس و النشاب، و الواضح أنه كان يرتدي الثياب التي صنعها من جلد الحيوانات، كونه لم يعرف نسج القماش.
و يطلق الباحثون على إنسان الباليوليت الأعلى في أوروبا اسم كرومانيون(Cro -Magnon) ، على اسم مغارة في فرنسا، تمثل الموقع النموذج لحضارته. و تظهر مخلفاته دلائل على حياة جماعية، تنضوي فيها أعداد أكبر من البشر في تجمعات مشتركة. و مثل هذا الوضع الجديد استلزم تقسيما للعمل، و بالتالي بروز الاختصاصات الحرفية و الفنية و الدينية، و كذلك تراتبية اجتماعية تنتهي بالقائد الفرد. و هناك دلائل قوية على أن إنسان كرومانيون شغل فكريا بعالم القوى الخفية، و أبدى اهتماما كبيرا بالأموات، و بطرق دفنهم، و تهيئتهم للعالم الآخر، من تضميخ للجسد، و ضمّ للذراعين فوق الصدر، و تزيين بالأعلاق و العقود، و تزويد بالأسلحة و بغيرها من الأدوات التي تودع القبر مع الميت.
و في فلسطين اكتشف الكثير من المواقع التي تعود إلى عصر الباليوليت الأعلى، و منها أتت المعلومات الأولى عن هذا العصر في الشرق الأدنى، ثم تتابعت الاكتشافات في سورية و لبنان و الأردن. و يقسم العلماء هذا العصر إلى مراحل حضارية: قديمة، تسمى الأحمرية، نسبة إلى ملجأ في عرق الأحمر، في سفوح جبال القدس الشرقية، و هو الموقع النموذج لهذه الحضارة في فلسطين، و التي توازي الحضارة الأورينياسية في أوروبا، و حديثة، تسمى الكبّارية، نسبة إلى مغارة كبّارة، في الطرف الغربي لجبال الكرمل. و منهم من يميّز مرحلة انتقالية بينهما، يسميها العتليتية نسبة إلى موقع عتليت على الساحل، جنوب حيفا.
و التنظيم التراتبي، من الأسفل إلى الأعلى، للحضارات المادية من الباليوليت الأعلى، يقوم على حفريات أثرية، جرى معظمها في فلسطين، و بعضها في المحيط، الأمر الذي ربما يتغير بحسب نتائج حفريات أخرى مستقبلية، و الموقع المهم للفترة الأولى هو الملجأ الصخري في عرق الأحمر. أمّا بالنسبة إلى الفترة الثانية و الأخيرة