الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٣٨٤
ففي معاهدة فرساي (٢٨ حزيران/ يونيو ١٩١٩ م)، بين الحلفاء المنتصرين و ألمانيا المهزومة، تقرر إنشاء عصبة الأمم، و دخل القرار حيز التنفيذ في ١٠ كانون الثاني/ يناير ١٩٢٠. و في ميثاق عصبة الأمم المادة ٢٢، أقرّ «نظام الانتداب»، كشكل جديد من الاستعمار، و في مؤتمر سان ريمو (٢٤ نيسان/ أبريل ١٩٢٠ م)، جرى الاتفاق بين فرنسا و بريطانيا على تحديد انتدابيهما على بلاد الشام و العراق بصورة عامة. فأخذت فرنسا سورية و لبنان، و بريطانيا فلسطين و شرق الأردن و العراق. و حددت هذه الانتدابات على أنها من الفئة (أ)، التي تضم الأقاليم التي اعترف موقتا باستقلالها في عهد عصبة الأمم. و قد قامت فرنسا و بريطانيا بصوغ صكوك الانتداب على الأقطار العربية المذكورة، على أن توافق عليها عصبة الأمم بعد ذلك. و أدرجت فلسطين مع الأردن في صك انتداب واحد، لكنهما عوملا بوصفهما إقليمين منفصلين.
و في معاهدة سيفر (١٠ آب/ أغسطس ١٩٢٠)، التي أكره العثمانيون على توقيعها، لكن مصطفى كمال رفضها، أدخل الحلفاء مطلبين صهيونيين: ١) أن يعهد بإدارة فلسطين، عملا بأحكام المادة ٢٢ من ميثاق عصبة الأمم إلى دولة منتدبة؛ ٢) أن تكون الدولة المنتدبة مسؤولة عن تنفيذ وعد بلفور، الذي أصدرته الحكومة البريطانية (٢ تشرين الثاني/ نوفمبر ١٩١٧ م)، و أقرته دول الحلفاء الأخرى بعد ذلك. و عاد الحلفاء إلى تأكيد ذلك في معاهدة لوزان (٢٨ أيلول/ سبتمبر ١٩٢٣ م)، عندما توصلوا إلى اتفاق مع الحكومة الثورية في تركيا، بقيادة مصطفى كمال «أتاتورك». و بعد ذلك، أصبح الانتداب ساري المفعول رسميا، مع أنه مضى أكثر من ثلاثة أعوام على تنفيذه عمليا. و على الرغم من الاعتراضات على شرعية الانتداب في عصبة الأمم، إلّا إن هذه الهيئة التي هيمنت عليها الدول الكبرى، أقرت صك الانتداب (٢٤ تموز/ يوليو ١٩٢٢ م).
و عندما أقرت عصبة الأمم الانتداب البريطاني على فلسطين، فقد انتهكت بذلك ميثاقها الذي وضعته بنفسها. ذلك أن صك الانتداب الذي تضمن وعد بلفور، يتناقض و المبدأ الذي اعتمدته العصبة في المادة ٢٢ من ميثاقها. فهذا الصك ينتهك حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير و الاستقلال. و هو ينطلق أساسا من هدف مغاير لما أعلن من أن الانتداب يرمي إلى تحقيق رفاهية الشعب الواقع تحته، إذ أعلن الصك صراحة أن مهمة الانتداب في فلسطين هي تهيئة أوضاعها لإقامة «وطن قومي يهودي» فيها. و في الواقع، فإن الأمين العام لعصبة الأمم، استنكر عمل المجلس الأعلى للحلفاء، في مذكرة قدمها لمجلس العصبة في ٣٠ تموز/ يوليو ١٩٢٠ م،