الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٣١٥
قط تصور إمكان نجاح هذا المشروع بالاعتماد على القوة اليهودية الذاتية. و من هنا، الصلة التاريخية بين المشروعين- الصهيوني و الإمبريالي- في المنطقة. في المقابل، و بغض النظر عن رغبات المراكز الإمبريالية، و كذلك دور النخب اليهودية المنخرطة في مؤسساتها في بلورة الفكرة الصهيونية و ترويجها، و المشروع الاستيطاني الناجم عنها، فإنه لو لا أن تهيأت أوضاع التجمعات اليهودية في أوروبا لتقبل الفكرة، و للانخراط في المشروع عبر الهجرة و الاستيطان على أساس القاعدة المطروحة، لما نهض المشروع الصهيوني بالطريقة التي حدثت.
و هكذا، و منذ البداية، كان للعمل الصهيوني في أساسه شقّان. الأول يهودي، يقوم على قاعدة المسألة اليهودية كما استوعبتها النخب اليهودية، و صاغت مقولاتها، و راحت تبشر بها، و تجند اليهود للانضواء تحت لوائها، بقيادة تلك النخب ذاتها.
و بذلك، شكلت تلك النخب الوسيط بين التجمعات اليهودية، التي تعيش حالة من التوتر و الحراك الاجتماعي و الجدل الفكري- الثقافي، و بين المراكز الإمبريالية، التي تعاني أزمة التناقضات الرأسمالية. و بدور الوسيط، طرحت النخب اليهودية المتصهينة حلولا للأوضاع المتوترة التي تعيشها التجمعات اليهودية، انطلاقا من مقولات الفكر الأوروبي السائد في القرن التاسع عشر، و قدمتها لتلك التجمعات بلبوس يهودي، يحمل طابعا دينيا أسطوريا، و تهيمن عليه نزعة استرجاعية فريدة في نوعها. و على هذا الصعيد، جرى تفسير المسألة اليهودية بمصطلحات قومية، و طرح الحل لها من منطلقات قومية أيضا، يذهب إلى إقامة دولة يهودية، يتم بناؤها بالاستيطان. فالوعي الصهيوني الزائف للمسألة اليهودية، أدّى بالضرورة إلى طرح الحل المزيف لها، قياسا مع مقولة أن «الدولة القومية تحل المسألة القومية.» و لكن اليهودية ليست قومية، و بناء عليه، فالمسألة اليهودية ليست مسألة قومية، و بالتالي فالحركة الصهيونية ليست حركة تحرر وطني كما تدعي لنفسها.
أمّا الشق الثاني للعمل الصهيوني فهو الإمبريالي، المنطلق من قاعدة الأطماع الإمبريالية في ثروات الوطن العربي و أسواقه التجارية و مرافقه الاستراتيجية. و هذا الشق هو الذي يمد الآخر- اليهودي- بوسائل الحياة. و في الواقع، فإن الدعوات المبكرة إلى إقامة المشروع الصهيوني في فلسطين، التي أطلقها ساسة أوروبيون، سبقت تبلور الفكرة الصهيونية عند اليهود أنفسهم. و تفيد المصادر و الوثائق أن استجابة اليهود لهذه الدعوات كانت فاترة جدا في النصف الأول من القرن التاسع عشر. أمّا في النصف الثاني منه، عندما راحت المسألة اليهودية تتفاقم في شرق أوروبا، و راح الفكر الإمبريالي ينتشر، بدأ بعض المفكرين اليهود يتقبلون الفكرة بإيجابية أعلى. و تبع