الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ١٣٥
اليهود، و من رأى فيه ثائرا على حكم روما، أو مصلحا دينيا- اجتماعيا ... إلخ.
و لكن عندما أوضح المسيح أن رسالته ليست موجهة لإقامة مملكة على الأرض، أو لحمل السيف ضد روما، و راح يدين ممارسات الطبقة العليا المادية، و ينتقد التزمت الديني، و التشبث بحرفية النصوص، و يمتنع من التحريض على حكم الولاة الرومان، انقلبت عليه أغلبية اليهود في فلسطين. و نظرا إلى الخطورة التي شكّلها عليهم بتعاليمه، فقد تضافرت التيارات الرئيسية بينهم تطالب بإعدامه صلبا. و وافق الحاكم الروماني، بيلاطس بونطوس، على الطلب، فجرى تنفيذه في أورشليم، على جبل الجلجلة، بحسب الرواية المسيحية.
و لكن المسيح بموته منح الحياة لرسالته. فأتباعه أكدوا أنه قام من بين الأموات، و صعد إلى السماء. و بذلك أعطى البرهان على أنه «ابن اللّه»، الذي ولد في الأرض- إنسانا، و ضحى بنفسه من أجل خلاص البشر. و بناء عليه، فقد ولدت ديانة جديدة متمايزة عن اليهودية، و راحت تنتشر في الخارج، بفعل الرسل الذين كرسوا حياتهم للدعوة إلى اعتناق المسيحية. و قد لاقت هذه الدعوة قبولا أوسع خارج فلسطين، لأنها طرحت نفسها ديانة عالمية، و ليس عقيدة خاصة باليهود، أو بغيرهم فقط. و برز في العمل على نشر المسيحية المتمايزة عن اليهودية بالعقيدة و الشعائر الرسولان، بطرس و بولس. و هذا الأخير، الذي كان معاديا للمسيحية في البداية، ثم اعتنقها، اجتهد في نشرها على أساس الخلاص البشري على يد «ابن اللّه»، و الحاجة إلى الانبعاث الأخلاقي عبر الإيمان و محبة اللّه و الإنسان، و الخلاص كمكافأة على الإيمان بالمسيح، و الطهارة الأخلاقية و المسلكية.
و قد حققت التعاليم المسيحية ذات التوجه العالمي، كما صنّفها بولس الرسول، تقدما ثابتا، لكنه كان بطيئا، و مثقلا بالآلام و الاضطهاد. و مع ذلك، ثابر الرسل و أتباعهم، و نشروا رسالتهم في المدن، و خصوصا بين الطبقات الفقيرة. و بولس نفسه اعتنق المسيحية بصورة عجائبية في طريقه إلى دمشق. و من هناك رحل إلى آسيا الصغرى، فبلاد اليونان، و منها إلى روما، حيث «استشهد» دفاعا عن المسيحية (نحو سنة ٦٧ م). و اشتدت أعمال القمع ضد المسيحيين خلال القرن الثاني، و بلغت الذروة في القرن الثالث، و خصوصا أيام الإمبراطور ديوقلتيان. و يعود السبب في هذا الاضطهاد إلى رفض المسيحيين عبادة الآلهة الرومانية، و إقامة الطقوس التي تفرضها الدولة. ثم ما لبثت المسيحية أن حققت انتصارها الكبير في أيام قسطنطين الأول.