الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٩١
وفق أوضاع كل منها الخاصة.
إن كل محاولات التجسير بين الروايات التوراتية المتعددة بشأن ما يسمى «الاحتلال الإسرائيلي لأرض- كنعان»، لم تفلح في إزالة التناقضات بينها. و تميل أغلبية المؤرخين اليوم إلى اعتبار هذا الاحتلال نتيجة مسار طويل، اتخذ صورا متعددة، غاب عنها التنسيق و التخطيط المسبق. و في هذا المسار، احتلت قبائل معينة، أو مجموعة منها، و بصورة عشوائية حين سنحت الأوضاع، مناطق قليلة السكان، بينما المدن الكنعانية القوية حافظت على وجودها و أراضيها. و من هنا، فإن رواية سفر يهوشوع عن عملية احتلال مبرمجة، تحت قيادة موحدة، لا أصل لها، و إنما حيكت من نسج الخيال لدى كتبة التوراة في عصور متأخرة، و من منطلق إثبات وحدة «الشعب المختار»، في مقابل واقع التفتت الذي تعيشه القبائل المسماة «أبناء إسرائيل».
و علاوة على ذلك، فإن المسوحات الأثرية لا تدعم الرواية الواردة في سفر يهوشوع. و على سبيل المثال لا الحصر: العيّ التي يرد ذكرها أنها سقطت في أيدي الإسرائيليين، لم تكن قائمة في حينه، بل كانت مهجورة خربة، و شيكم التي يقال إنهم احتلوها ظلت مدينة كنعانية لفترة طويلة بعد ذلك؛ و أريحا في تلك الفترة كانت قرية صغيرة غير مسوّرة، و بالتالي فقصة «الأسوار التي انهارت على صوت البوق» هي أسطورة خيالية. و من التوراة ذاتها يستنتج أن عددا من القبائل المحسوبة على بني إسرائيل ظلت تحت حكم مدن كنعانية لفترة طويلة في مرج ابن عامر و الجليلين- الأعلى و الأسفل. و على العموم، فالدلائل الأثرية تؤكد أن الإسرائيليين لم يفلحوا في احتلال أرض- كنعان كما يرد في الرواية التوراتية، و أن مثل هذا الاحتلال وقع في مراحل لاحقة، و بعد أن نقضوا العهد مع يهوى، و بناء عليه فقد وقع من دون «تدبير إلهي».
إن الجمع بين المعلومات المتوفرة من المصادر المتعددة، يعطي الدلالة على أن التمدد الإسرائيلي في أرض- كنعان كان يتناسب اطرادا مع انكماش السلطة المصرية فيها، و بالتالي انحصارها في المنطقة الساحلية و النقاط الاستراتيجية على طرق التجارة الدولية. و هذا التراجع المصري ترك المدن الكنعانية في الجبال الوسطى، على عكس تلك الواقعة في السهول و على الساحل، وحدها في مواجهة القبائل الإسرائيلية، فراحت تسقط بالتدريج، بحسب قدرتها الذاتية على الصمود.
و خلال عصر القضاة (١٢٥٠- ١٠٥٠ ق. م. تقريبا)، كانت هناك ثلاثة جيوب إسرائيلية: الجليل و الوسط و الجنوب، تعزلها عن بعضها البعض مدن و قلاع كنعانية.