الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٤١٠
الاستيطان الصهيوني ظل بعيدا عن الأهلية لوضع اليد على البلد. و في هذه الأثناء جرى تراجع في السياسة البريطانية تجاه المشروع الصهيوني، على قاعدة وعد بلفور، وصولا إلى طرح مشاريع لتقسيم فلسطين، بعد فصلها عن شرق الأردن، الأمر الذي لم يرق للحركة الصهيونية، و لم يرض عنه الفلسطينيون. فتصاعدت المقاومة العربية، و اتجهت الصهيونية أكثر فأكثر نحو الولايات المتحدة لصوغ علاقات جديدة، تكون على حساب الصلة التاريخية للمشروع الصهيوني ببريطانيا.
في كانون الثاني/ يناير ١٩٢١ م، نقلت الحكومة البريطانية إدارة فلسطين من وزارة الخارجية إلى وزارة المستعمرات، التي تولاها آنذاك و نستون تشرشل. و كان المندوب السامي، سامويل، مسؤولا أمامه و بحاجة إلى موافقته على إجراءات حكومة الانتداب و ميزانيتها. و إلى جانب المندوب السامي هيئة تنفيذية تعيّنها الحكومة البريطانية. و لدى وصوله إلى فلسطين، كان سامويل متحمسا لتجسيد وعد بلفور.
فبادر إلى اتخاذ عدد من الإجراءات لتعزيز الاستيطان الصهيوني. و أصدر «قانون الهجرة» (١٩٢٠ م)، الذي أعطاه سلطة السماح لمن أراد، بالدخول إلى البلد، و إخراج من أراد هو منها. و حدد عدد المهاجرين اليهود إليها ب ٥٠٠، ١٦ سنويا. و كذلك سنّ قانون «نقل ملكية الأراضي» الذي سهل عمليات البيع، و قانون «الأراضي المحلولة» و «الأراضي الموات»، اللذين يخدمان الأهداف الصهيونية، و يضيقان الخناق على الفلاحين العرب، و يزيدان عبء الضرائب عليهم.
و قد أدّت المنظمة الصهيونية دورا كبيرا في تشكيل حكومة الانتداب، عبر علاقاتها بأركان الحكومة البريطانية، بما في ذلك تعيين سامويل نفسه مندوبا ساميا.
و ضمت حكومة الانتداب الأولى عددا من اليهود البريطانيين الموالين للصهيونية، تولوا المناصب المهمة فيها، و منهم: نورمان بنتوتش، النائب العام، و ألبرت حايمسون، مسؤول دائرة الهجرة، و ماكس نوروك، مساعد سكرتير الحكومة الأول. و كان التعاون بين هؤلاء الأربعة كفيلا بتمرير كل قانون يرونه ملائما في خدمة الصهيونية. و كذلك، عيّنت الوكالة اليهودية الكولونيل اليهودي الصهيوني كيش ضابط ارتباط لها مع حكومة الانتداب، لاستغلال علاقاته. و لم تتدخل حكومة الانتداب في تشكيل هيئات الحكم الذاتي اليهودي، التي جرى انتخابها من قبل المستوطنين فقط. و بدرجة عالية من التطابق، تحركت إدارة سامويل بالتنسيق مع الوكالة اليهودية لتحقيق هدف الانتداب- تهويد فلسطين- متجاهلتين وجود شعبها عليها، فهب هذا، بما توفر لديه، للدفاع عن وجوده.
لكن ما كان لدى الشعب الفلسطيني لخوض هذا الصراع ضد تحالف الانتداب