الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٣٣٨
بأن «الحق التاريخي» الذي تدعيه الصهيونية لليهود في فلسطين، لا يكفي لحمل الدول الأوروبية على تبني مشروعهم. و لذلك، لا بدّ من أن يكتسب صيغة عصرية تقربه من السياسة الأوروبية. و هذه الصيغة في نظرهم تقوم على إخضاع فلسطين للنفوذ الاقتصادي الصهيوني، و إثبات أن كل تقدم حدث في فلسطين إنما يعود إلى المبادرة الصهيونية. و قد قوي هذا التيار بعد انقلاب تركيا الفتاة، و ما يحمله في ثناياه من إمكانات تعديل السياسة العثمانية إزاء المشروع الصهيوني. و في المؤتمر العاشر (بازل ١٩١١)، اضطر و لفسون إلى الاستقالة تحت ضغط العمليين، و انتخب مكانه المعبر الحقيقي عن التيار العملي، أوتو واربرغ، و بانتخابه تسلم العمليون زمام الأمور في المنظمة الصهيونية العالمية.
و في المؤتمر الحادي عشر (فيينا ١٩١٣ م)، آخر المؤتمرات الصهيونية قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى، و بالتالي توقفها عن الانعقاد، كانت هيمنة العمليين واضحة. و زاد في تلك الهيمنة تحالفهم مع «التوفيقيين»- تيار حاييم و ايزمن. و في التقرير السياسي المقدم للمؤتمر يبرز الاهتمام بالتطورات السياسية التي من شأنها التأثير في مستقبل الشرق الأوسط. و قد ورد فيه التأكيد على أن نجاح المشروع الصهيوني لا يتوقف على البراءة الدولية. و بناء عليه، تتوجه المنظمة الصهيونية إلى تحقيق هدفها في فلسطين عن طريق النشاط العملي. و اندلعت الحرب العالمية الأولى و المنظمة الصهيونية تعمل على جبهتين: سياسية، تسعى للحصول على الاعتراف الدولي بالصهيونية و أهدافها؛ و عملية، تنشط في حقل الاستيطان و تهويد فلسطين- الأرض و الشعب و السوق- بكل ما ينطوي عليه ذلك من تغييب لأهل البلد الأصليين- ماديا و معنويا- و نفي لحقهم التاريخي في وطنهم.
و كما أثار نشاط العمليين ردات فعل داخل المنظمة الصهيونية، و أدّى إلى حالة من الاستقطاب فيها، بما انطوى عليه ذلك من انعكاسات على صعيد العلاقات السياسية مع القوى الأوروبية، كذلك فعل في فلسطين و استنبول. فالنشاط الصهيوني المكثف في إستنبول لاستغلال التعاطف الحذر الذي أبداه حكام تركيا الجدد مع المشروع الصهيوني، و دفع الأمور إلى أبعد الحدود، و بالسرعة القصوى، نحو حسم القرار التركي بمنح المنظمة الصهيونية الامتياز المطلوب للاستيطان في فلسطين، أدّى إلى نتائج عكسية. فهؤلاء الحكام الجدد وضعوا على رأس جدول أعمالهم صيانة وحدة الأراضي العثمانية، و توحيد شعوبها على قاعدة التتريك، و أدخلوا نظام حكم دستوري، يستند إلى برلمان يتمتع بدرجة من التعددية السياسية و حرية التعبير و المناقشة. و تحولت القضية الصهيونية إلى موضوع نقاش حاد في البرلمان،