الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٤٤٧
للصهيونية، بدعم أميركي قوي. و كأنما للتكفير عن ذنب اقترفته، راحت حكومة مكدونالد تغالي في استرضاء الصهيونية، و تغدق عليها بالتسهيلات للوصول إلى «الوطن القومي اليهودي». أمّا على صعيد العمل الصهيوني، فقد تغلب تيار الوسط، الذي انتهج سياسة «خذ و طالب» على التيار المتطرف الذي دعا إلى «استثمار الفوز» بالإسراع في إعلان الدولة اليهودية، خلافا للإرادة البريطانية. في المقابل، فشلت سياسة القيادات الفلسطينية التقليدية، ففقدت الكثير من رصيدها الشعبي، من دون قيام البديل القادر على إدارة الصراع بصورة أكثر نجاعة. و بينما استطاعت المؤسسة الصهيونية تجاوز الشقاق داخلها، و متابعة عملها بنشاط، فإن قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية في المقابل، بتركيبها و نمط عملها، اللذين يخلوان من أية علاقات ديمقراطية، أصيبت بالشلل، و بالتالي تمّ تجاوزها تحت ضغط التطورات على الساحة.
ففي ولاية واكهوب، التي تواكبت مع صعود النازية في ألمانيا، تصاعدت معدلات الهجرة اليهودية بوتيرة متسارعة. فمن ٤٠٧٥ سنة ١٩٣١ م إلى ٩٥٥٣ سنة ١٩٣٢ م إلى ٠٠٠، ٣٧ سنة ١٩٣٣ م إلى ٠٠٠، ٤٣ سنة ١٩٣٤ م و إلى ٠٠٠، ٦٢ سنة ١٩٣٥ م، عدا الهجرة غير الشرعية. و كذلك، انتقل أكثر من ٠٠٠، ٣٣٤ دونم من الأراضي إلى المؤسسات الاستيطانية، و أرغم الفلاحون على الجلاء عنها بالقوة، كما حدث مع عرب وادي الحوارث (الزبيدات) في السهل الساحلي، و أهالي العفولة في مرج ابن عامر، و غيرهم. في المقابل، و نتيجة الإحباط الذي أصاب قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية، جراء تجاهل السلطة لمطالبها، و ذلك على الرغم من التراجع الذي جرى فيها، فقد راحت فكرة العدول عن سياسة الاحتجاج على إجراءات حكومة الانتداب و التفاوض معها تتعزز، و تتعالى الدعوة إلى توجيه النضال ضد بريطانيا، كما ضد الصهيونية، كونهما تشكلان جبهة واحدة. و من خلال تجربة ثلاثة عشر عاما، تعمق الوعي لدى جماهير الشعب الفلسطيني أن «الوطن القومي اليهودي» هو وليد السياسة البريطانية، و أداة من أدواتها الاستعمارية، كما تكرس الاقتناع باستحالة استتباب الأمن في البلاد، ما دام فيها شعبان متنافران، أحدهما يدافع عن بلده، و الآخر يريد اغتصابها.
و كان طبيعيا، على أرضية الواقع الفلسطيني، أن يحدث هذا التحول فرزا داخل الحركة الوطنية متأثرا بالبنية الاجتماعية للشعب الفلسطيني، و بالتالي بمقدار استعداد الفئات المتعددة داخله لتحمل تبعات النضال المتوجب على احتدام التناقض المتولد عن الجمع بين الانتداب و الاستيطان و أهالي البلد الأصليين. و إذ كانت القوى