الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٤٢٩
و لا المنظمة تمتلك الموارد الكافية لتمويل مشاريعها الاستيطانية. و كانت المقاومة العربية أشدّ عنفا من توقعات المندوب السامي و الكثيرين من قادة العمل الصهيوني.
و سرعان ما تبين زيف الدعاية الصهيونية التي بنت إعلامها على تغييب الشعب الفلسطيني عن وطنه. و في الواقع، كان سامويل يشارك تشرشل في اقتناعه الذي عبّر عنه في أحد لقاءاته مع الوجهاء العرب في القدس، «بأن أولاد أولادنا سيكونون قد رحلوا عن الدنيا قبل تحقيق الحكم الذاتي.»[١] و لذلك، و إنقاذا للمشروع الصهيوني من المنظمة ذاتها، ارتأى سامويل التعامل بمرونة مع الوضع الفلسطيني، و العمل على تصليب الاستيطان، حتى يتهيّأ لتسلم زمام الأمور في البلد. و كذلك كان على سامويل أن يأخذ في الاعتبار التوازنات السياسية في لندن، و موقف القوى من الانتداب.
و على العموم، احتجت المنظمة على تصريحات سامويل من أن «الوطن القومي اليهودي» لن يقوم على حساب العرب، كما رأت في الكتاب الأبيض، و فصل شرق الأردن عن فلسطين، تراجعا بريطانيا عن وعد بلفور. و لم يعجب المنظمة سلوك سامويل تجاه المقاومة العربية، إذ أرادت منه قمعها بشدة، كما أخذت عليه دعمه للحاج أمين الحسيني في تولي منصب الإفتاء و رئاسة المجلس الإسلامي الأعلى.
و احتجت على تحديد سقف للهجرة و تشديد القيود عليها بعد الاضطرابات.
و اعترضت المنظمة على كل محاولة لإقامة حكومة تمثيلية في ظل استمرار الأغلبية العربية بين السكان. و على أية حال، فإن سلوك السلطات البريطانية إزاء التطلعات الصهيونية المغالية في استعجالها تهويد فلسطين، قد وضع الوكالة اليهودية أمام أسئلة جذرية و ملحة حول «ما العمل؟».
و مهما يكن الأمر، فإن النصف الثاني من ولاية سامويل (١٩٢٠- ١٩٢٥ م)، تميّز بهدوء نسبي، إذ أفلح، لاعتبارات صهيونية و بريطانية، في وضع طرفي الصراع بشأن فلسطين أمام مشكلاتهما الحالية، و بالتالي إيصالهما، على الأقل على صعيد القيادة، إلى الاقتناع بعدم إمكان حسم هذا الصراع بالطريقة التي يطالب بها كل منهما، و على أية حال، فليس في الحاضر، أو المستقبل المنظور. و بينما أدّى ذلك إلى نقل الصراع إلى داخل الحركة الوطنية الفلسطينية، و تأزيم أوضاعها الذاتية، فإنه على العكس من ذلك، خفض حدة التوتر السياسي الداخلي في المنظمة الصهيونية، و دفعها بقيادة تيار الوسط إلى التركيز على تحقيق إنجازات عملية استيطانية. و مع
[١]« الموسوعة الفلسطينية»، القسم الثاني، المجلد الثاني، مصدر سبق ذكره، ص ١٠٠٩.