الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٢٩٩
الرشاوى للتغاضي عن الهجرة اليهودية غير الشرعية.
لكن الموقف العثماني الرسمي لم يحل دون وصول المهاجرين اليهود إلى فلسطين و الاستيطان فيها. فقد أفاد هؤلاء من الثغرات في القوانين و الإجراءات، و استغلوا فساد الموظفين بالرشاوى، و استندوا إلى دعم قناصل الدول الأوروبية، للدخول إلى البلاد و الإقامة فيها. و في الواقع، فإن قناصل الدول الأجنبية كثيرا ما احتجوا على القيود المفروضة على هجرة اليهود إلى فلسطين، و اعتبروها خرقا للامتيازات التي تتمتع بها دولهم. و عبر تدخل هؤلاء القناصل، كثيرا ما رضخ الموظفون العثمانيون إلى الضغوط، أو أغروا بالرشاوى، فتغاضوا عن التجاوزات الصهيونية بالهجرة و الاستيطان. و كذلك، و على الرغم من القوانين الصادرة بمنع بيع الأراضي للمهاجرين الجدد، فقد استطاع هؤلاء، و عبر السماسرة، أو عن طريق العقود الوهمية، من ابتياع مساحات من الأراضي لإقامة المستعمرات. و بنسبة عالية جدا، كانت تلك الأراضي تخص ملاكين غائبين، ممن استولى عليها عبر الالتزام، أو سجلها باسمه لقاء دفع الضريبة المستحقة عليها، نيابة عن الفلاحين الذين لم تتوفر لديهم الأموال اللازمة لذلك، و خصوصا بعد صدور القوانين الضريبية على الأراضي، في إثر مسحها و تسجيلها في عهد التنظيمات، فتركزت في أياديهم أملاك واسعة.
و إزاء فشل الإجراءات العثمانية في إيقاف الهجرة اليهودية، و بالتالي ازدياد النشاط الصهيوني الاستيطاني، برزت المقاومة المحلية لهذه الظاهرة. و إذ لم تكن أعمال المقاومة منسقة و منظمة، فإنها تفجرت بصورة عفوية، و بالتواكب مع عمليات شراء الأراضي من الملاكين الغائبين و طرد الفلاحين أو المرابعين عنها، و إقامة المستعمرات عليها. و كان كلما توسعت عملية الاستيطان و انتشرت في الريف، عمت المقاومة و اتسع نطاقها. فشراء الأراضي عبر السماسرة، و في صفقات مشبوهة و سرية، جعل المواجهة حتمية بين الفلاحين المقيمين عليها، و المستوطنين الذين عمدوا إلى طردهم منها، و بالتالي قطع أسباب معيشتهم فجأة، و من دون سابق إنذار. فكان طبيعيا أن يقاوم الفلاحون هذه الظاهرة، و يعمدوا إلى العنف في مواجهة لجوء المستوطنين، تدعمهم السلطة، إلى إخلائهم بالقوة. و كانت يد السلطة ثقيلة على الفلاحين في تنفيذ العقود المشبوهة و خفيفة على المستوطنين في تنفيذ تعليمات الدولة و أوامرها. و كما اصطدم المستوطنون مع الفلاحين، كذلك كان الحال مع القبائل البدوية التي حرمت من مراعي قطعانها. و قام الطرفان- الفلاحون و البدو- و من دون تنسيق، بعمل متكامل في مهاجمة المستعمرات و حرق المزارع، و تخريب المرافق. و تنضح يوميات المستوطنين الأوائل بأخبار هذه المقاومة، التي يسمونها أعمال نهب و تخريب.