الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٢٥٥
تضافرت عوامل داخلية فرنسية، و خارجية أوروبية، و شرق أوسطية، لقيام هذه الحملة، بهدف معلن هو فصل بريطانيا عن مستعمراتها، عبر قطع طرق المواصلات البحرية بينهما.
و كانت أوروبا بعد اكتشاف رأس الرجاء الصالح (١٤٩٨ م) قد حوّلت تجارتها مع الشرق الأقصى إلى هذا الطريق البحري الذي يدور حول إفريقيا، الأمر الذي ألحق ضررا كبيرا بطرق البحر الأبيض المتوسط، و بالتالي بالدول المحيطة به، و منها فرنسا.
و في إطار التنافس بشأن تجارة الشرق الأقصى، عاد الفرنسيون و فكروا بإحياء الطرق القديمة، فأصبحت مصر بؤرة اهتمام القوى المتنافسة، و خصوصا أن الطريق عبرها أقصر بكثير من طريق رأس الرجاء الصالح. و حتى في فترة الاحتلال القصيرة، أجرى الفرنسيون دراسة، عبر البعثة العلمية الكبيرة التي حملها نابليون معه، حول حفر قناة تصل البحر الأبيض المتوسط بالبحر الأحمر، تلك الفكرة التي تطورت لاحقا و انتهت بحفر قناة السويس. و إذ فتحت حملة نابليون عيون أوروبا على البحر الأبيض المتوسط و الشرق الأوسط، و خصوصا على مصر، فإنها في حينها لم تحقق الأهداف المعلنة لها.
لقد فشلت الحملة، لكنها تركت أثرا عميقا في المنطقة. و في الواقع، فإنها دشنت دخول المنطقة العصر الحديث. فبعد حملة نابليون، بدأت في الشرق الأوسط مرحلة جديدة في العلاقة مع الغرب الاستعماري، لا تزال مستمرة حتى الآن (١٩٩٦ م).
و كان نابليون قد أعد حملته على مصر بسرية تامة، و لعل الإشاعات عن عزمه غزو بريطانيا كانت تمويها على خطته الحقيقية. فأبحر من طولون في أيار/ مايو ١٧٩٨ م، و همّه التملص من مواجهة بحرية مع الأسطول البريطاني، الذي كان يتعقبه.
و في الطريق، قام بهجوم مفاجىء على قلعة مالطا، التي أخذها من دون صعوبة تذكر.
و من هناك، سارع إلى أبي قير، على الساحل المصري في حزيران/ يونيو ١٧٩٨ م، الميناء الذي كان الأسطول البريطاني قد زاره قبل بضعة أيام، و قفل راجعا يبحث عن نابليون في عرض البحر لتدمير سفنه. و فاجأ نابليون المماليك في الإسكندرية، و أخذها من دون مقاومة. و منها تحرك إلى القاهرة، و في معركة بالقرب من الأهرامات، هزم جيش المماليك من الفرسان، بفضل تفوق قواته، عددا و عدة و عتادا و تدريبا و تكتيكا ميدانيا. و دخل القاهرة، و أعلن أنه جاء مجدّدا للإسلام و تراثه.
لكنه سرعان ما فقد أسطوله في أبي قير، الذي دمره الأميرال البريطاني هوراشيو نلسون، في هجوم كاسح. فأصبح نابليون محصورا في مصر، و معزولا عن فرنسا.
فعدل عن خطة التقدم إلى الهند، أسوة بالإسكندر المقدوني، و اكتفى بحملة على بلاد الشام، توقفت عند عكا.