الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٣٢٣
الإرشاد و الدعم المادي إلى تولي موظفي البارون المسؤولية عن عملية الإنتاج، و تحويل المستوطنين إلى عمال مأجورين خاسرين، يدفع لهم البارون مخصصات بحسب عدد أفراد العائلة، و ليس بحسب إنتاجها، و بالتالي اتخذ هذا الاستغلال طابع العمل الخيري، الذي لم يلبث أن كشر عن أنيابه، بفعل فساد موظفي البارون.
و انهارت المثل التي حملها المستوطنون من أحباء صهيون، و خضع البعض إلى إرادة الموظفين، و سلك سبيل التدليس لهم و الانتهازية، بينما تمرد البعض الآخر، فقمع بقسوة. و قد حدث ذلك بعد زيارة البارون لهذه المستعمرات (١٨٨٧ م)، و توجيهه النقد الشديد للمستوطنين على تدني مستوى عملهم و إنتاجهم.
و في المؤتمر الرابع لحركة أحباء صهيون (١٨٩٠ م) في أوديسا، أخذ المؤتمرون علما بأمرين مهمين: ١) تخفيف السلطة العثمانية القيود المفروضة على هجرة اليهود إلى فلسطين و الاستيطان فيها؛ ٢) موافقة الحكومتين، الروسية و الرومانية على الترخيص القانوني لحركة أحباء صهيون، و على دستورها و نشاطاتها.
و قد تمّ ذلك عبر تدخل الولايات المتحدة النشط لدى الباب العالي و حكومتي روسيا و رومانيا، دعما للحركة الصهيونية في توطين اليهود بفلسطين، و درءا لتوجه أعداد كبيرة منهم إلى الولايات المتحدة. فانتعشت حركة أحباء صهيون مجددا، و شكلت لجنة مركزية بقيادة بنسكر، و فتحت لها مكتبا لشراء الأراضي في يافا، و عادت الهجرة اليهودية تتدفق على فلسطين (١٨٩٠- ١٨٩١ م)، الأمر الذي دعا السلطات العثمانية إلى إعادة النظر في قرارها تخفيف القيود على تلك الهجرة. و قد أدّى احتجاج السكان المحليين و ممثليهم في البرلمان التركي، دورا بالتأثير على الباب العالي لاتخاذ قرار العدول عن السماح بهجرة يهود روسيا إلى فلسطين.
و إزاء رفض الحكومة العثمانية السماح للمهاجرين اليهود بالاستيطان في فلسطين بحرية، و إصدارها التعليمات إلى متصرف القدس بالعمل على منع وصولهم إليها و الإقامة فيها، سارعت قيادة العمل الصهيوني إلى الاتصال بالوزراء العثمانيين، عبر قناصل الدول الأجنبية في إستنبول و منهم السفير الأميركي، لرفع القيود عن هجرة اليهود إلى فلسطين. و بوسائل شتى، منها الرشاوى، جرى الالتفاف على هذا الحظر العثماني، و صار المهاجرون يصلون إلى فلسطين بصفتهم حجاجا. و هناك، عبر تدخل القناصل الأجانب، و منهم الأميركي، و باستغلالهم فساد الموظفين العثمانيين، و قابليتهم للرشوة، استطاع عدد كبير من هؤلاء «الحجاج» و سواهم ممن دخل البلاد خلسة، البقاء فيها. و مع أن الموقف الرسمي العثماني بقي من سنة ١٨٨١ م إلى سنة ١٩١٧ م يعارض الهجرة اليهودية تحت لواء الصهيونية إلى فلسطين بصورة عامة،