الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٢٠٧
الامتيازات و الحفاظ عليها، و كل محاولات إلغاء هذه الامتيازات باءت بالفشل.
و على العكس، ففي مراحل ضعف المملكة زادت الكومونات في قوتها، فاصطدمت بعضها ببعض، و دارت بينها اشتباكات مسلحة أحيانا. لقد أدّت التجارة دورا مركزيا في الحملات الصليبية، و عبرت عنه الكومونات بموقع متميز في مملكة أورشليم اللاتينية.
و طوال فترة قيامها في الشرق، ظلت الكيانات الصليبية تعاني نقصا في الطاقة البشرية، و بقي الفرنجة أقلية بالنسبة إلى السكان المحليين. و لأنها ظلت في حالة حرب مستمرة، فقد استنزف الجيش طاقة تلك الكيانات البشرية. و من هنا، بقيت تعتمد أصلا على المدد من أوروبا للدفاع عن نفسها إزاء المقاومة الإسلامية، و ظلت الحملات الآتية من الغرب تتحمل عبء المواجهة الواسعة. أمّا في حالات الهدوء النسبي، فقد اعتمد الفرنجة على السكان المحليين في توفير مستلزمات حياتهم، إضافة إلى ما يستوردونه من أوروبا، و تحمله أساطيل المدن التجارية. و كان الجيش الصليبي يعتمد الأسلوب الإقطاعي الأوروبي في تشكيله. و مملكة أورشليم اللاتينية، في ذروة قوتها، امتلكت جيشا مؤلفا من ٦٠٠ فارس، و ٥٠٠٠ من جنود المشاة، بينما يقدر عدد سكانها آنئذ بنحو ٠٠٠، ١٢٠ نسمة. و إذا أضيفت إليها قوات الإمارات الأخرى، و التنظيمات العسكرية، و ما التزمت به الأديرة و الكنائس، فالتقدير أن جيش الشرق وصل إلى ٢٠٠٠ فارس و ٠٠٠، ١٨ من المشاة، و هو عدد كبير نسبيا بالنسبة إلى عدد السكان من الفرنجة في الإمارات.
و كان الفرسان عماد هذا الجيش، و هم القوة المدرعة، التي يساندها المشاة، بنسبة ١٠: ١ تقريبا. و مع تطور الدرع في أوروبا، صار يغطي الفارس و حصانه.
و للفارس بوجه عام ٣ أحصنة و معاونان يحملان عتاده و متاعه. و هو يزود بخوذة حديدية و درع و ترس و حربتين (قصيرة و طويلة)، و رمح. و في هجوم منسق و مباشر، كانت هذه القوة ساحقة. و في الواقع، لم تصمد أمامها الجيوش الإسلامية في البداية.
ثم ما لبث المسلمون أن اكتشفوا نقطة الضعف فيها، و هي ثقل حركتها. فطوروا سلاح فرسانهم سريع الحركة، الذي تدعمه النبّالة (رماة السهام). و ابتدعوا تكتيكات ميدانية مضادة، تعتمد فتح الصفوف، و استدراج الفرسان المسربلين بالحديد، بعيدا عن المشاة، و من ثمّ الانقضاض عليهم من كمائن جانبية. و بناء عليه، اضطر الفرنجة إلى رفد سلاح فرسانهم الثقيل بآخر خفيف، يشبه قوات المسلمين. و قد جندوا أفراده من بين السكان المحليين، و عرف بلغتهم باسم أبناء الترك. و كانت خيولهم سريعة و ملائمة لعمليات الاستطلاع و الأشغال و الالتفاف و سلاحهم الرئيسي القوس الصغير.