الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٢٦٥
التصدي لمشروعه، و قطع الطريق على تجسيده، كونها لم تكن ترغب في قيام دولة شرق- أوسطية فتية على أنقاض السلطنة العثمانية المتهاوية.
لقد أظهر الجيش المصري قدرات عسكرية كبيرة في مواجهة الجيش العثماني، و كذلك في التصدي للثورات المحلية، و استطاع أن يفرض الأمن و النظام، و يكبح تجاوزات الزعماء المحليين و مشايخ القبائل. فمنع الزعيم أبو غوش من جباية الضريبة على الطريق بين يافا و القدس، و ألزم السكان دفع الضرائب المستحقة و الالتحاق بالجيش عبر التجنيد الإلزامي، و تسليم أسلحتهم، كما نجح إلى حد معين في تفعيل جهاز الدولة و منع الرشوة في المحاكم. و رفع إبراهيم التمييز عن الأقليات الدينية، و حاول تطوير المرافق و إقامة عدد من المشاريع الصناعية، كاستخراج الفحم و الحديد من جبال لبنان. و لبناء الأسطول المصري قطع إبراهيم باشا الأشجار في مساحات واسعة من بلاد الشام، و خصوصا، في غابات جبل لبنان. لقد وضع بدايات لم تتح له فرصة تطويرها، لكنها تركت آثارها في المرحلة اللاحقة في ميادين متعددة.
و على نقيض سابقيه من الباشوات، سمح إبراهيم للبعثات التبشيرية المسيحية بممارسة نشاطها بحرية كبيرة، و منحها الإذن بإقامة مؤسسات تعليمية و ثقافية. و في سنة ١٨٣٨ م سمح لبريطانيا بفتح قنصلية دائمة في القدس، الأمر الذي شكل سابقة في العرف القائم، إذ كانت القنصليات تقام في المدن الساحلية، و تعنى بالشؤون التجارية. و في الواقع، و منذ زمن طويل، كانت القنصليات قد تراجعت في عددها و أهميتها مع تراجع الأهمية التجارية لمدن الساحل السوري، و راح رجال محليون يتولون المهمة. أمّا في أيام إبراهيم باشا، و خصوصا بعد انسحابه من البلاد، فقد راحت القنصليات تؤدي في الأساس دورا سياسيا. و لم تمض فترة قصيرة حتى فتحت دول أوروبية متعددة قنصليات لها في القدس، بما فيها الولايات المتحدة. و راح قناصل هذه الدول يتدخلون في كل شاردة و واردة من شؤون الحكم في البلاد.
و على الرغم من قصر فترة الحكم المصري في فلسطين (١٨٣١- ١٨٤٠ م)، فقد فتحت مرحلة جديدة في تاريخها، إذ وضعت حدا لحالة الفوضى التي سادت البلاد خلال فترة طويلة، كما أسست لعدد من الإصلاحات في الفترة اللاحقة- فترة «التنظيمات» في السلطنة العثمانية. فعلى رأس الحكم وقف إبراهيم باشا، الطامح لإقامة دولة عربية حديثة، و تحت إمرته جيش قوي، كان العمود الفقري للحكم، و أداته لتنفيذ الإصلاحات. و إلى جانب إبراهيم باشا، تولى شريف باشا، صهر محمد علي، الجانب الإداري في الحكم، و له ممثلين (متسلمين) في الأقضية جميعها هم حكامها الإداريون، بصفة موظفين مدنيين، جندوا على العموم من أوساط السكان