الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٢٨٦
و من هنا كانت الأحداث الدامية في نابلس (١٨٥٦ م)، و التي كانت موجهة ضد الحاكم العثماني و قناصل الدول الأجنبية و البعثات التبشيرية و المسيحيين المحليين. و كذلك كان الحال في جبل لبنان، و من بعده دمشق (١٨٦٠ م). و استمر عداء هذا التيار للإصلاحات التي سعى كل من السلطان عبد المجيد، و من بعده عبد العزيز، لإدخالها.
فالتوجهات التي تبناها محمد علي في مصر، و معاصره محمود الثاني في إستنبول، و الرامية إلى عصرنة الدولة، حفزت تيار الإصلاح في الدولتين. و جاء عهد التنظيمات (١٨٤٠- ١٨٧٦ م) في السلطنة العثمانية ليقوي هذا التيار، و يدفع المعبّرين عنه إلى قمة السلطة. و لكن هذا التطور، و بمقدار تصاعد وتيرته بدعم من المركز، فقد ولّد ردة فعل محافظة، راحت هي الأخرى تتصاعد بالوتيرة نفسها. و باعتلاء عبد الحميد الثاني العرش في إستنبول (١٨٧٦- ١٩٠٩ م)، وقعت الردة، و انقلب السلطان على التنظيمات، و على أدواتها و رجالها. فألغى الدستور، و حل البرلمان، و أبطل الإصلاحات التي أدخلها أسلافه. و قد استفاد عبد الحميد من فشل الإصلاحات في تحسين أوضاع السلطنة الاقتصادية، أو في كبح التدخل الأوروبي الذي أدّى إلى إفلاس الدولة. و استبدل الحكم البرلماني بآخر استبدادي- فردي و مطلق. و جعل بطانته من أشد رجال الدين محافظة، و أدوات سلطته من أكثر رجال الحكم رجعية.
و بذلك دفع الإصلاحيين، و جلهم من الأتراك، إلى تشكيل الجمعيات السرية و العمل على قلب نظام الحكم، أمّا رموز العلمانية، و هم في الأساس من المثقفين، و أغلبيتهم من المسيحيين، فقد اضطر الكثيرون منهم إلى الهجرة و الاستقرار بالخارج- مصر و باريس و جنيف و لندن- لمتابعة نشاطهم الأدبي و الفكري و السياسي.
و كانت ردة فعل التيار المحافظ سلبية تجاه المؤثرات الفكرية و الاجتماعية الأوروبية، و بالتالي تجاه التنظيمات و الإجراءات الناجمة عنها في نظام الحكم، و خصوصا على صعيد التشريعات. و إذ رأى رموز هذا التيار خطر التدخل الأوروبي، ماديا و روحيا، فقد ذهبوا إلى أن إحياء قواعد الإسلام في الدولة و المجتمع كفيل باستنهاض السلطنة و صمودها في وجه أوروبا. و على العموم، نظر هؤلاء إلى الماضي، و منه استنبطوا علاج أمراض الحاضر، مؤكدين إمكان استعادة الماضي الزاهر بالعودة إلى مرتكزاته الفكرية و الأخلاقية و المسلكية ... إلخ. فبالنسبة إليهم كان المخرج من المأزق الحالي يكمن في العودة إلى المنطلقات التي أدّت إلى امتلاك عوامل القوة في الماضي، و ليس بالتطلع إلى المستقبل و استنباط الوسائل التي تساعد على درء أخطاره. و الحاضر بالنسبة إليهم غير مقبول، لكن لا يجوز رفضه بالكامل،