الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٤١٨
لم تكن منتخبة ديمقراطيا، و بالتالي لم تكن معبرة عن جماهير الشعب الفلسطيني، سياسيا و تنظيميا، كما أنها لم تكن موحدة في موقفها من الانتداب، و قد انعزلت عن عمقها الاستراتيجي العربي. و في الطريق إلى لندن، عرج الوفد على روما، حيث التقى البابا، الذي أبدى تعاطفه المعنوي مع الشعب الفلسطيني. أمّا في لندن، فقد كان مركز صنع القرار ليس في مصلحته، و خصوصا أن وزير المستعمرات، تشرشل، الذي لم يكن يولي مسألة فلسطين أهمية كبيرة، لم يكن أيضا بصدد تبني موقف الوفد في مواجهة مراكز القوى البريطانية و الأميركية المتعاطفة مع الصهيونية، و ذلك على الرغم من التساؤلات التي أثيرت بشأن وعد بلفور و الانتداب على فلسطين في مجلس اللوردات، و في أوساط الرأي العام و الصحافة البريطانيين.
و تشرشل، الذي كان في موقع الدفاع عن النفس داخل حكومته إزاء الاتهامات التي وجهها إليه قادة العمل الصهيوني و أنصارهم في المؤسسة البريطانية الحاكمة، تعامل مع الوفد الفلسطيني بجفاء فظ. و قبل أن يلتقي الوفد، تسلح بقرار الحكومة، الذي يلتزم بسياسة الانتداب القائمة على وعد بلفور. و ما عدا بعض العلاقات العامة، و قرار مجلس اللوردات بعدم قبول صيغة الانتداب لأنها تخالف العهود التي قطعتها بريطانيا للعرب، و الذي لا يلزم الحكومة بشيء، عاد الوفد الفلسطيني من سفرته الطويلة خالي الوفاض، إذ رفضت حكومة لويد جورج مطالبه. و نظرا إلى فشل الوفد في تحقيق شيء من الآمال التي علقت عليه، فقد اندلعت الاضطرابات في القدس لمناسبة ذكرى وعد بلفور (١٩٢١ م)، و تبادل العرب و العصابات الصهيونية إطلاق النار، فقتل ٥ من اليهود و ٣ من العرب، و جرح ٢٦ آخرون، و قمعت الاضطرابات على يد السلطة. و قد وضع ذلك الزعامة الفلسطينية التقليدية، التي راحت تميل إلى التعاطي مع الانتداب، و حتى مع المشروع الصهيوني، بمرونة معينة، في موقف حرج، و أصبح موقعها السياسي رهنا بقدرتها على انتزاع بعض المكاسب من الحكومة البريطانية.
لقد ذهب الوفد الفلسطيني إلى لندن برئاسة موسى كاظم الحسيني، و بقي فيها تسعة أشهر، قام في أثنائها بالسفر إلى جنيف لحضور اجتماع عصبة الأمم. و لكن كما في لندن، كذلك في جنيف، كانت حصيلة الجهد لا تذكر. و في المقابلة الأولى له مع الوفد، لم يتردد تشرشل في تذكير أعضائه بأنه يستقبلهم كوفد غير رسمي، و بأنهم ما داموا يصرّون على إلغاء وعد بلفور، فليس لديه ما يمكن بحثه معهم، مؤكدا أنه على العرب القبول به كحقيقة، و من ثمّ العمل على ألّا يلحق تنفيذه الضرر بمصالحهم، و دعاهم إلى البحث في الترتيبات لتسيير الأمور بسلام في الأعوام