الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٣١١
و الدعوى الصهيونية بوجود «قومية يهودية» هي ضرب من البدعة، لأنها بانطلاقها كانت تنقصها أهم مقومات الحركة القومية- الشعب الموحد و الأرض المحددة. فاليهود المنتشرون في جميع أنحاء العالم، لم تكن بينهم من روابط إلّا العقيدة الدينية، مع وجود «مذاهب» متعددة بينهم. و في مسار معاكس تماما لنشوء الدول القومية، تحركت الصهيونية من «إعلان السيادة»، و راحت تبحث عن «شعب» تسبغ عليه صفة «الأمة»، و من ثمّ عن رقعة أرض، تجمع فيها بين الشعب و السيادة. و بهذا تكون الفكرة قد تبلورت خارج الشعب و الأرض، و لم تكن تعبيرا عن تطلعات ذلك «الشعب»، و لا تجسيدا لإرادته القائمة على وعيه لذاته كوحدة ذات خصوصية، و على أرض محددة، يريد السيادة عليها أسوة بغيره من الشعوب.
و كان طبيعيا أن تعمد حركة من هذا النمط المفتعل، تدعي الرابطة القومية بين تجمعات دينية مبعثرة في بقاع العالم كلها، و الحق التاريخي على أرض آهلة بسكانها الأصليين، إلى اختلاق المزاعم، و تشويه التاريخ و الجغرافيا التاريخية في خطابها السياسي. أمّا على صعيد التخطيط و التنفيذ، فكان لا بدّ من أن تعتمد التآمر و الدسائس، و بالتالي العنف الفاشي لتحقيق أهدافها. فالتجمعات اليهودية التي انتشرت في أنحاء العالم كلها، لم يكن يجمعها ناظم اجتماعي، أو اقتصادي، أو لغوي، أو تاريخي. و المسألة اليهودية، التي تذرعت بها الصهيونية، هي قضية اجتماعية أوروبية، و بالتالي فحلها الصحيح هو في ذلك الإطار. و الدعوى بعدم إمكان اندماج اليهود في مجتمعاتهم الأصلية، و بغض النظر عن دواعي هذه الظاهرة، و عن مقدار صحة تعليل أسبابها بالمنظور الصهيوني، فهي تقود إلى البحث في الأوضاع التي أدّت إليها، و معالجتها في الواقع الذي أفرزها كظاهرة نابية في علاقة التجمعات اليهودية بمحيطها.
و لأن الصهيونية لم تتبلور في صفوف كتلة موحدة من اليهود، مجتمعة في رقعة جغرافية محددة و تسودها أوضاع اجتماعية- اقتصادية متشابهة، أو متكاملة، فقد أدّت النخب اليهودية المندمجة فعليا في النظام الرأسمالي الإمبريالي، دور «المبشر» بهذه الحركة، و أولا و قبل كل شيء في أوساط اليهود أنفسهم، الذين كانوا الأشد معارضة للأفكار الصهيونية، و لمشاريع الاستيطان التي تنطوي عليها. و لم تكن تلك الأفكار، و لا النخب التي تصوغها و تروجها، تعبر بصورة حقيقية عن الاتجاهات السائدة في أوساط التجمعات اليهودية، التي كانت لكل منها أوضاعها و مشكلاتها و تطلعاتها و نشاطاتها. و طرحت تلك النخب نفسها وسيطا بين الفئات السائدة في المراكز الإمبريالية، و بين التجمعات اليهودية فيها، التي كانت تعاني أزمة داخلية، على صعيد