الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٢٤٨
المركزية في هذه الفترة، التي ظلت على مسرح الأحداث أكثر من نصف قرن.
و خلال هذه الفترة الطويلة نسبيا لظاهرة من هذا النمط، تضافرت عوامل خارجية و داخلية على السلطنة، استطاع ظاهر العمر أن يستغلها و يقوي سلطته و يوسع نفوذه.
و كان طبيعيا أنه بقدر ما كرّس ظاهر العمر حكمه، نتيجة الأوضاع القائمة آنذاك، بقدر ما احتدم التناقض بينه و بين السلطنة، التي لم تكن بعد ناضجة للانحلال الداخلي.
و لذلك حسم الصراع بقتل ظاهر العمر و إنهاء الظاهرة (١٧٧٥ م). و في ذروة قوته، و بالتالي تناقضه مع الباب العالي، تحالف ظاهر العمر مع صنو له في مصر، هو علي بك الكبير، المملوك الذي راودته تطلعات شبيهة بتلك التي بيّتها ظاهر العمر.
و استطاع الحليفان احتلال دمشق (١٧٧١ م)، بدعم من روسيا، التي قصف أسطولها بيروت، في استعراض للقوة إزاء الجيش العثماني.
ولد ظاهر العمر في العقد الأخير من القرن السابع عشر. و كان والده عمر بن صالح الزيداني، ملتزما (مقاطعجي) صغيرا في أعمال سنجق صفد، في منطقة نفوذ الشهابيين، الذين ورثوا إمارة المعنيين في لبنان. و بعد موت والده (١٧٠٣ م)، تولى ظاهر جزءا من التزام والده- قريتي عرابة و الدامون- في الجليل الأسفل. ثم راح يوسع هذا الالتزام، عبر التحالف مع بعض القبائل البدوية، في منطقة اللجون الواقعة على الحدود بين سنجقي صفد و نابلس، و منهم: بنو صخر و بنو صقر و عرب السردية، الذين انتشروا في الجزء الشرقي من مرج ابن عامر. و دخل ظاهر العمر في تحالفات قبلية، و بالتالي في صراعات حدودية، بين حاكم صفد، الموالي لأمير جبل لبنان الشهابي، و بين حاكم نابلس و زعماء العشائر فيها، الموالين لأمير دمشق، من آل العظم. و انحاز ظاهر العمر إلى أمير مشايخ البدو في سنجق صفد، رشيد جبر، فدخل في صراع مع آل ماضي في منطقة نابلس و آل جرّار في منطقة جنين. و في هذه الفترة، و عبر المصاهرة، اتخذ ظاهر له مقرا في الناصرة- البلدة الأكبر في الجليل الأسفل.
و لإثبات جدارته أمام والي صيدا، تعهد ظاهر العمر بكبح حلفاء الأمس- مشايخ بني صقر- و ردعهم عن الإخلال بالأمن. و لما نجح في ذلك، استثار والي دمشق، سليمان باشا العظم الذي هبّ لمساندتهم. و إزاء تفاقم خطر ظاهر العمر، عزم الباشا الدمشقي على سحقه، فجرد ضده حملة قادها بنفسه (١٧٣٧ م)، و فشل في القضاء عليه، لكنه لم ينكفىء عن متابعة هدفه. في المقابل، عمد ظاهر العمر إلى احتلال طبرية و تحصينها. و عندما عاود الباشا الكرة (١٧٤٢ م)، و حاصر طبرية، فشل ثانية في أخذها و القضاء على الأمير البدوي الصلب، و انسحب إلى دمشق مرة أخرى.
و عندها توجه ظاهر العمر إلى القنصل الفرنسي، الذي كانت لدولته مصالح تجارية في