الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٥٠١
سلما، أو بالتراضي، و خصوصا نتيجة التطرف الصهيوني، فطرحت مسألة استعمال القوة العسكرية لفرض الحلول قسرا. لكن كلا من بريطانيا و أميركا كانت تتحاشى تولي الأمر بنفسها، خشية انعكاس ذلك على مصالحها في البلاد العربية، من جهة، و إمكان أن يفتح ذلك الباب واسعا أمام التدخل السوفياتي في المنطقة، من جهة أخرى. هذا في حين أصرّت المنظمات الصهيونية على أن لا ضرورة لهاتين القوتين بالتدخل العسكري، ملمحة إلى أن القوات العسكرية الصهيونية، بدعم من المتطوعين اليهود، قادرة على تولي المسألة بنفسها. و بهذا أوجدت المخرج للرئيس الأميركي، و الإحراج لحكومة بريطانيا، التي كانت لا تزال الدولة المنتدبة.
و بعد مغادرة اللجنة الأنكلو- أميركية فلسطين، كثفت المنظمات الصهيونية أعمالها الإرهابية ضد حكومة الانتداب، و كذلك ضد الأفراد و الضباط، بما في ذلك محاولة اغتيال المندوب السامي. وردت القوات البريطانية بعنف على تلك الأعمال، و بدعم قوي من الفيلد- مارشال مونتغومري، قائد عام القوات البريطانية في الشرق الأوسط. و قد تسبب ذلك بردات فعل غاضبة في الولايات المتحدة، الأمر الذي شجع تلك المنظمات على تصعيد إرهابها، وصولا إلى نسف فندق الملك داود، مقر الإدارة البريطانية في القدس (٢٢ تموز/ يوليو ١٩٤٦ م). و في النتيجة، شهدت سنة ١٩٤٦ م توترا عاليا بين المنظمة الصهيونية، تدعمها الولايات المتحدة، و بين الحكومة البريطانية، بهدف دفع هذه الأخيرة لإنهاء الانتداب و تسليم فلسطين للاستيطان للصهيوني، الذي صار يعتبر نفسه مؤهلا لإقامة كيانه السياسي فيها، و بقوة السلاح إذا لزم الأمر.
إن تقويما شاملا للعمل السياسي المنسق بين الوكالة اليهودية و الإدارة الأميركية، و كذلك النشاط الإرهابي للعصابات الصهيونية ضد حكومة الانتداب، و الضغط السياسي و الاقتصادي الذي مارسته إدارة ترومان على حكومة أتلي، يظهر التآمر الأميركي- الصهيوني لإنهاء الانتداب البريطاني في فلسطين، و تحويلها إلى قاعدة للنفوذ الأميركي في المنطقة، عبر إقامة الكيان الصهيوني فيها. و كان أول من طرح فكرة الانسحاب من فلسطين علنا، و نستون تشرشل، الذي أصبح في سنة ١٩٤٦ م زعيم المعارضة. و تذرع بالضرر الذي تلحقه قضية فلسطين ببريطانيا و مصالحها في المنطقة و العالم، و قابل بين التكلفة و المردود مستخلصا أن مصلحة بريطانيا تملي عليها إنهاء الانتداب، و وضع القضية في أيدي الأمم المتحدة. و عرض تشرشل الأسباب التي أوصلته إلى هذا الطرح، فأورد عجز بريطانيا عن معالجة الوضع المتفاقم في فلسطين، و الحرص على عدم إلحاق الأذى بالأهداف الصهيونية، أو