الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٢١٠
أدّت التنظيمات العسكرية الصليبية دورا مهما. ففيها تمثلت الروح الصليبية الأصولية، و بأفرادها تجسد التكامل بين الصليبي المقاتل و الراهب. و كانت بدايات تلك المنظمات العناية بالحجاج، و لذلك عرفت باسم «الإسبتارية» (تنظيم المشفى).
و قد تأسست قبل قيام المملكة، أمّا بعده، فزاد نشاطها، و حصلت على براءة من البابا، و أقامت فروعا لها في أوروبا. و كان أعضاء التنظيم يؤدون قسم الرهبان المثلث- الاعتزال و الفقر و الطاعة. ثم أضافوا إلى عملهم في رعاية الحجاج ركنا أساسيا هو الدفاع عن مملكة أورشليم اللاتينية، فاكتسبوا طابعا عسكريا. و قام التنظيم على الصدقات، و جمع أموالا كثيرة، فاشترى أراضي و استغلها. و كان مركزه بداية في القدس، ثم بعد سقوطها، انتقل إلى حصن الأكراد في سورية. و بسبب قوته الاقتصادية، أصبح هذا التنظيم قوة عسكرية كبيرة في المملكة. و كان أعضاؤه يلبسون العباءة السوداء، و عليها صليب مالطا، الأبيض اللون ذو الزوايا الثمان، على الجانب الأيسر من الصدر. و قد استمر هذا التنظيم في أوروبا و جزر البحر الأبيض المتوسط حتى بعد نهاية دولة الفرنجة في فلسطين.
و بعد الإسبتاريين بعدة سنوات، قام تنظيم آخر- الهيكليون (تمبلرز). و كانت مهمتهم المركزية مرافقة قوافل الحجاج و حمايتها. و بناء عليه، فقد اتخذ هذا التنظيم طابعا عسكريا منذ البداية، و تمركز في القدس (الحرم الشريف). و كان لباسهم عباءة بيضاء، عليها صليب أحمر. و انتشروا في أوروبا أيضا، و استحوذوا على أملاك واسعة، كما قاموا بعمليات مالية و مصرفية كبيرة، الأمر الذي أساء إلى سمعتهم، و بالتالي أدّى إلى تصفيتهم. و عندما تضعضعت أحوال المملكة، كان الهيكليون، بالتعاون مع الإسبتاريين و التيوتون (التنظيم الثالث الألماني)، يشكلون العمود الفقري لقوة المملكة العسكرية، التي تحملت العبء الأكبر في الدفاع عن حدودها. و لذلك انتشر أعضاء هذه المنظمات في الحصون الحدودية. و كان مركز المنظمة التيوتونية في قلعة القرين (مونتفورت) في الجليل الغربي.
و حاول الصليبيون الاستيطان الزراعي في بعض المناطق- محيط الرملة و بيت جبرين و جبل الطابور و الزيب و حيفا. و أحيانا تحولت القرى الزراعية إلى بلدات مسورة- غزة و الشوبك- لكن النتائج على العموم ظلت ضئيلة. و كانت القرى الزراعية تقام في محيط المدن، أو بالقرب من القلاع و الحصون، لتكون ملاذا للفلاحين الفرنجة في وقت الحرب. و مع أن الدولة، أو المؤسسات الكنسية، و حتى العائلات الإقطاعية، منحت هؤلاء المستوطنين امتيازات كثيرة، فأعطتهم نحو ٧٠٠ دونم للعائلة، و خفضت عليهم الضرائب و شكلت لهم محاكم خاصة و أشركتهم في