الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٣٥
ساحلية و جبلية و صحراوية و نهرية و غيرها. لكن الموقع الذي أولي الأهمية المطلقة لفرادته هو أريحا، في جوار البحر الميت. ففي تل السلطان، موقع أريحا القديمة، القريب من عين السلطان، توجد آثار المدينة الوحيدة المعروفة حتى الآن في العالم، و التي يعود تاريخها إلى ما قبل ٩٠٠٠ عام. و هذه المدينة المسوّرة، سبقت ب ٤٠٠٠ عام أيّ استيطان مديني معروف حتى الآن. و لذلك فهي تشكل أحجية أثرية، تثير الكثير من التساؤلات التي لم يتفق الباحثون على الإجابة عنها، أو على تقديم تفسير متماسك و منطقي لازدهار مدينة كهذه في ذلك الزمان و المكان.
فأريحا، التي ينخفض موقعها (تل السلطان) نحو ٢٧٥ م تحت سطح البحر، و حيث معدل هطول الأمطار لا يزيد عن ١٠٠ ملم سنويا، و التي تدين بقيامها و بقائها للنبع المجاور، عين السلطان، هي ظاهرة فريدة، ليس في الشرق القديم فحسب، بل في العالم أيضا. فقد عاصرتها مستوطنات و قرى زراعية كثيرة في جميع أنحاء الهلال الخصيب و مصر، إلّا إنه لم تكتشف حتى الآن في هذه المنطقة، آثار مدن محصنة قبل الجزء الأخير من الألف الرابع قبل الميلاد، في حين يعيد الباحثون أسوار أريحا إلى الألف السابع قبل الميلاد. و هي بذلك، و لكبر حجمها و عدد سكانها الذي يقدره البعض ب ٣٠٠٠ نسمة، تطرح الكثير من الأسئلة بشأن نشوئها و ازدهارها و مصادر ثروتها، و نظامها الاقتصادي- الاجتماعي.
و لأسباب موضوعية، أي فرادة الظاهرة، كما لأخرى ذاتية، أي أعمال التنقيب الواسعة و المنهجية التي أجريت فيها، فإنّ أريحا تعدّ الموقع النموذج الأرقى لهذا العصر و الذي يمكن من خلال المعلومات التي يوفرها تتبّع مراحل الانتقال من النطوفية (الميزوليت)- القرية المفتوحة- إلى المدينة المسوّرة (النيوليت) حتى العصور اللاحقة و بصورة متواصلة و متكاملة. فقد ساهمت أوضاع أريحا البيئية الخاصة، بتطورها إلى مدينة بوقت مبكر جدا، بينما ظلت المستوطنات في مواقع أخرى، صغيرة، كما هو الحال في موقع وادي فلاح، حيث تحتل قرية صغيرة مصطبة محدودة عند مدخل المغارة. و يعزو بعض الباحثين ازدهار أريحا إلى اشتغال أهلها بالتجارة، و خصوصا بمستخرجات البحر الميت: الملح و القار و الكبريت.
و يتميّز موقع أريحا بآثاره العمرانية، إذ كشف عن منازل مؤلفة من غرفتين و أكثر، مبنية من اللبن المسطح المحدّب و جدرها مائلة إلى الداخل، و هو ما يشير إلى أن سقوفها كانت مقببة. لكن أهم ما يثير الانتباه في الموقع في هذا العصر المبكر هو الأبنية الحجرية الواسعة، و السور الذي يقوم عليه برج عال. و تشير الدلائل إلى أن هذه التحصينات الضخمة بمقاييس العصر، صمّمت منذ البداية لأغراض دفاعية.