الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٣٤٥
السوداء محور أحاديث الناس، و أصبح «السفر برلك» (التجنيد) مرادفا للظلم و الجوع و المرض و المطاردة و النهب و الخراب.
و بانقسام الوطن العربي إلى منطقتي نفوذ للحلفين المتحاربين، و بالتالي إلى مسرحين للعمليات العسكرية، فقد سعى كل منهما لاستغلال حالة التذمر لدى السكان ضد القوة الحاكمة في الجانب الآخر، و توظيف كراهيتهم لاستعمارها في عمل عسكري ضدها. فاستغل الألمان و الأتراك النضال ضد المستعمرين الإنكليز و الفرنسيين و الإيطاليين في شمال إفريقيا و السودان، و قدموا له الدعم. و بلغ هذا النضال ذروته في المغرب، الذي أطلقت عليه فرنسا اسم «الجبهة الثانية». و كذلك الأمر في ليبيا، إذ لم يبق بيد الإيطاليين في بداية سنة ١٩١٥ م سوى شريط ضيق في الساحل. و قام رجال القبائل الليبية بغزوات ضد الإنكليز في مصر. في المقابل، استغلت إنكلترا و فرنسا الحركة القومية العربية في المشرق و الجزيرة، و دعمتاها و حرضتاها على القيام بانتفاضة ضد الحكم التركي. و قد حققتا نجاحا كبيرا على هذا الصعيد، إذ عبر الشريف حسين أقامتا اتصالات مع القوى القومية العربية، التي شكّلت جيشا انضم إلى الحلفاء ضد تركيا.
و بحسب الخطة، تولى الجيش التركي القتال على جبهتين- القفقاس و قناة السويس. و كان الجيش الرابع، بقيادة أحمد جمال باشا، يخطط لعبور قناة السويس إلى مصر، و نقل ساحة العمليات إلى إفريقيا، و ذلك بالاستناد إلى دعم السكان المفترض، استجابة لدعوة «الجهاد» التي أطلقها السلطان في تشرين الأول/ أكتوبر ١٩١٤ م. و كانت القيادة الحقيقية لهذا الجيش بيد الكولونيل كريس فون كريسنشتاين، الملحق العسكري الألماني في دمشق. و قد عسكر هذا الجيش في بلاد الشام، التي لم تكن مهيّأة لذلك اقتصاديا، فقاسى سكانها الأمرين من نزول هذا الجيش بين ظهرانيهم. و لتموينه، صادرت السلطات المواد الغذائية و المواشي و المحاصيل.
و للوقود اللازم له، قطعت الأشجار، حتى المثمرة. و لأعمال السخرة سحب الفلاحون من قراهم إلى خطوط الجبهة لحفر الخنادق و غيره من الأعمال. فساءت أوضاع البلاد الاقتصادية، و اختفت البضائع من الأسواق، و استشرت أعمال السوق السوداء، وصولا إلى المجاعة و الأوبئة. و خلال أعوام الحرب الأربعة. هلك مئات الآلاف من الناس جوعا و مرضا في بلاد الشام و العراق.
و جاء دخول تركيا الحرب، و بالتالي نقل مسرح عملياتها إلى الشرق، و سلوك الجيش التركي المتسيب، و سياسة القمع التي تبناها جمال باشا، لتفاقم نقمة السكان العرب على الحكم العثماني. و كانت الحكومة التركية قد قلدت جمال باشا صلاحيات