الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٢٠٦
مساحات من الأراضي، و خصوصا في المناطق الحدودية. فمن ناحية، هجرها الكثيرون من أصحابها بسبب الأوضاع الأمنية، و من الناحية الأخرى، توجه إليها فرسان المنظمات العسكرية للدفاع عن تلك الحدود. و في الإقطاعيات شكّلت محاكم عليا أيضا، من أتباع البارون الذين يمنحون إقطاعات أصغر، في مقابل الخدمات العسكرية و غيرها. و كانت مهمات هذه المحاكم في الإدارة و القضاء. و بالأساس، استند التقسيم الإقطاعي إلى التنظيم العسكري، و ضمان تقديم الخدمات العسكرية و القوات المقاتلة للدولة. فكان على كل سيد، بحسب مساحة إقطاعيته، أن يجند عددا من الفرسان و المشاة، و يجهزهم ليتحرك على رأسهم عند الحاجة، فكانوا بمثابة جيش من المرتزقة.
و على عكس الوضع العام في أوروبا الغربية، و انسجاما أكثر مع الحالة في إيطاليا و بيزنطة، احتلت المدن موقعا مرموقا في مملكة أورشليم اللاتينية و الإمارات الصليبية الأخرى في الشرق. و مع أن هذه المدن لم تصل إلى حد الاستقلال الذاتي (البولس اليوناني أو الروماني)، فإنها تمتعت بدرجة عالية من الحكم الذاتي. و كانت في كل مدينة محكمة بورجوازية، لها صلاحيات قضائية و إدارية و شرطية. و يترأس المحكمة في العادة نبيل يسميه صاحب المدينة، و يعين معه عددا من المحلّفين، من ذوي النفوذ. و صلاحيات هذه المحكمة تنحصر بالفرنجة، و لكن من العامة و التجار من دون النبلاء، و لها قوانينها الخاصة، غير الإقطاعية، و المرتكزة على القانون الروماني. و عدا القضايا الجنائية، عملت هذه المحكمة بالأمور المدنية و المالية و العقارية. أمّا الأمور العسكرية فكانت بيد قائد الحصن. و في المدن أيضا محاكم الميناء، التي تعنى بقضايا الصفقات التجارية البحرية، و شؤون القباطنة، و يتولى عضويتها خبراء بأمور البحارة.
و في المدن، و خصوصا الساحلية، أقام تجار المدن الأوروبية- الإيطالية و الفرنسية و الإسبانية- أحياء خاصة بهم، كانت على العموم مسورة، دعيت كومونة.
و في مقابل الخدمات التي قدمتها تلك المدن للحملات الصليبية، و خصوصا على صعيد نقل الجيوش و المعدات و المؤن بأساطيلها الكبيرة، حصلت على امتيازات تجارية عامة، و في بعض الحالات إدارية. و في الأغلب، تمتعت الكومونات باستقلال ذاتي، منحه لها الملك، و تميّزت بينها كومونات عكا و صور بعددها و ضخامتها. و كان يقوم على رأس الكومونة قنصل، تعيّنه المدينة الأم. و للكومونة استقلال قضائي، و خصوصا في الأمور التجارية، و لها شرطة تحافظ على الأمن فيها. و حرصت الكومونات على صيانة حكمها الذاتي، و استغلت حاجة المملكة إليها لانتزاع