الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٣٧١
بزعامة براندايس، أكثر تصلبا في المطالبة بتنفيذ تلك التعهدات، حتى لو أدّى ذلك إلى إحراج الحكومة البريطانية، التي، كما يبدو، لم يكن كل أعضائها متحمسين لوعد بلفور بالدرجة نفسها. و طالبت اللجنة الصهيونية إعلان العبرية لغة رسمية في البلاد، و العلم الصهيوني علم البلاد، و تغيير اسم فلسطين إلى «أرض- إسرائيل»، و تشكيل إدارة للأراضي و التوطين و قوة عسكرية و شرطة مدنية، و إلزام الإدارة العسكرية بالتشاور مع اللجنة الصهيونية في كل الشؤون السياسية المتعلقة بالبلد، و في المحصلة خلق نواة «الدولة اليهودية». و إزاء هذا التصرف الأرعن، توترت العلاقة بين هذه اللجنة و الإدارة العسكرية، فاشتكت اللجنة لحكومة بريطانيا سلوك رجال هذه الإدارة، فأصدرت لهم الأوامر بالتنسيق التام مع قادة اللجنة، و استدعت بعضهم إلى لندن، و نقلت آخرين من مواقعهم، و أخيرا استبدلت الإدارة العسكرية كلها بأخرى مدنية (١٩٢٠ م).
و على أرضية الاحتكاك بين لجنة المندوبين الصهيونية و الإدارة العسكرية البريطانية، التي كانت تابعة لقيادة الجنرال أللنبي العامة، تقلب عدد من الجنرالات على الحكم العسكري في فلسطين. فبداية تولى الجنرال كلايتون منصب المدير العسكري، و كان يشغل سابقا منصب «الضابط السياسي العام» في «المكتب العربي» في القاهرة. فعيّن الكولونيل ستورز حاكما للقدس (كانون الأول/ ديسمبر ١٩١٧ م). ثم جرى استبدال كلايتون بالجنرال موني (٥ نيسان/ أبريل ١٩١٨ م)، الذي نحي عن منصبه تحت ضغط المنظمة الصهيونية، بعد أن وجه إلى سلوكها نقدا شديدا لضيق ذرعه بفجاجة تصرف أعضاء لجنة المندوبين. و في آب/ أغسطس ١٩١٩ م، عيّن الجنرال واطسون خلفا لموني، لكنه لم يكن أوفر حظا، فاستبدل في كانون الأول/ ديسمبر ١٩١٩ م بالجنرال بولز، الذي لم يعجب لجنة المندوبين أيضا. و بسحبه من منصبه، و تعيين هربرت سامويل (تموز/ يوليو ١٩٢٠ م) مندوبا ساميا في فلسطين، انتهى عمل الإدارة العسكرية، و بدأت الإدارة المدنية، و بالتالي تجسيد سياسة الانتداب في فلسطين، قبل ان يقر ذلك في عصبة الأمم، أو يتمّ الاتفاق النهائي عليه بين فرنسا و إنكلترا رسميا، و قبل أن يتم التوصل إلى معاهدة نهائية مع تركيا.
لقد وقعت الإدارة العسكرية البريطانية في فلسطين بين مطرقة اللجنة الصهيونية و سندان المقاومة العربية. و لم تكن تلك الإدارة ترفض وعد بلفور من منظور استراتيجي، بقدر ما وجدت أن التكتيكات الصهيونية تؤدي إلى نتائج عكسية، و ذلك نظرا إلى المقاومة العربية المتصاعدة، من جهة، و لأن أوضاع البلد الاقتصادية