الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٣١
المادية. أمّا بالنسبة إلى العلاقات الاجتماعية، و كذلك التعبيرات الفكرية و الروحية، فالمقولات المتداولة هي على العموم فرضيات ينقصها الدليل المادي المقنع.
إن ارتقاء إنسان النيوليت بنمط حياته، المادي و الاجتماعي، إلى مستوى الحالة الجديدة من الاستقرار، و ما ينجم عنها من مسكن و مأكل و ملبس، و صنع أدوات العمل الملائمة لنمط إنتاجه الجديد، و ابتكار المهارات و التقنيات التي ساعدته على تخطي العقبات إزاء التحديات الجديدة، جعله موضع اهتمام الباحثين في حقل ما قبل التاريخ. و مرّة أخرى، تضاربت آراؤهم في تقويم هذا العصر، و مراحل التحولات فيه، و الأهم، في تشخيص الأسباب التي أدّت إليه. و إذا كان الإلمام بأحداث هذه الفترة القديمة من التعقيد بمكان، فإن تشخيص الأسباب الكامنة وراءها أكثر صعوبة و امتناعا.
إن أيّا من العوامل التي تعتمد لتشخيص أسباب النقلة الحضارية الواسعة لعصر النيوليت، لا يكفي وحده لتفسير الظاهرة، مكانا و زمانا. كما إن عامل المصادفة لا يمكن، بل لا يجوز أصلا، أن يعطى الأولوية بهذا الصدد. و كذلك الأمر بالنسبة إلى عاملي المناخ و البيئة، بمعزل عن العامل البشري. فتضافر هذه العوامل مجتمعة، مع إيلاء الإنسان الأولوية، كعامل فعال في تطوير الحضارة، يمكنه- وحده- تقديم تفسير شامل، و بخطوط عريضة تستوعب الخاص في إطار العام، و ليس العكس، كما يفعل بعض الباحثين، و أحيانا لأسباب ليست علمية مجرّدة، أو منزّهة.
و جميع الدلائل المتوفرة حاليا تشير إلى أن الهلال الخصيب، و فلسطين تحديدا، كان مهد الزراعة الأولى. و نشوء الزراعة في هذا الجزء من العالم، لم يحدث بمعزل عن الأوضاع البيئية و المناخية التي سادت في حينه، و خصوصا بعد انحسار الجليد في الشمال، و بداية العصر الدافىء و الماطر في المنطقة أولا، و من ثمّ الحار و الجاف نسبيا. فقد أدّى ذلك إلى حصر توافر الماء في الأودية التي تجرّه من المناطق الجبلية البعيدة، و بالتالي، إلى اقتصار القرى الزراعية على الاعتماد على تلك الأودية، أو على العيش بالقرب من العيون و الينابيع. و شجعت الأوضاع التوجه نحو زراعة بعض أنواع الحبوب الموجودة في المنطقة، و التي كانت معروفة سابقا. و كذلك الحال بالنسبة إلى تدجين بعض أنواع الحيوانات اللبونة و الوديعة.
أمّا الشرق الأدنى القديم، و الذي يشكل وحدة جغرافية متكاملة، كانت مهد الحضارة التاريخية الأولى في المجرى الأسفل لبلاد الرافدين لاحقا، فقد تضافرت في مرتفعاته و أوديته و مروجه الأوضاع الملائمة في عصر النيوليت للانتقال إلى الزراعة.
فالمناخ و البيئة و الثروتان: النباتية و الحيوانية، و فرت للمنطقة في المرحلة المذكورة،