الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٢٢
للباليوليت الأعلى فهي مغارة كبّارة، التي يعتبرها البعض مرحلة انتقالية إلى العصر الحجري الوسيط (الميزوليت). و نسبة إلى هذا الموقع سمّيت الحضارة الكبّارية، التي انتشرت في جميع أرجاء سورية الكبرى، من النقب إلى الفرات، و من غور الأردن الجنوبي إلى جبال طوروس.
و عدا هذين الموقعين النموذجين، فقد اكتشفت آثار هذا العصر في مغارة الواد (وادي فلاح) في جبال الكرمل، و في مغارة القفزة، قرب الناصرة، حيث وجدت هياكل عظمية تعود لإنسان هذا العصر. و كذلك في مغارة الأميرة في وادي العمود الذي يصب في بحيرة طبرية، و في مواقع متعددة في النقب و الساحل، و منها عتليت.
أمّا في سورية، فقد وجدت في ملجأي يبرود و غيرهما. و في لبنان، كشف موقع كسار عقيل التتالي الأكمل للتراتبية الطبقية من هذا العصر حتى نهاية الأحمرية.
و تظهر مغارة الأميرة مرحلة انتقالية إلى الباليوليت الأعلى المبكر، الذي تمثله الحضارة الأحمرية. أمّا في كبّارة فقد وصلت حضارة هذا العصر إلى ذروة انتشارها، فجعلت من سورية الكبرى وحدة حضارية، لعلها الأولى في الشرق الأدنى القديم.
و تبرز الكبّارية تقدما ملحوظا في الحضارة المادية و تقنية إنتاجها. فهي تتميّز بصناعة الشفرات الصوانية الصغيرة و الرقيقة، التي انتشر استعمالها على نطاق واسع، و كذلك بانتقال الإنسان من المغاور إلى منازل الصيد في العراء، و صيد الأسماك على ضفاف الأنهار و البحيرات. و يتضح أن الإنسان في هذه المرحلة أضاف الحبوب إلى وجبات طعامه، إذ وجد هاون من البازلت بالقرب من النقيب، على الشاطىء الجنوبي- الشرقي لبحيرة طبرية، و إلى جانبه مدقة لطحن الحبوب، التي من المؤكد أنها جمعت من البرّ، إذ لم تكن الزراعة معروفة للإنسان بعد.
و يولي الباحثون المختصون الحضارة الكبّارية في فلسطين أهمية خاصة، لأنها- أساسا- محلية، و لأنها انتشرت في سورية الكبرى كلها، كحضارة موحدة متجانسة، انطوت على تحوّلات مادية كبيرة، و شكلت مرحلة انتقالية، مهّدت لظهور الحضارة النطوفية في العصر الحجري الوسيط (الميزوليت)، و بالتالي إلى استعادة الشرق الأدنى مركز الثقل الحضاري الإنساني، بعد أن انتقل في الباليوليت الأعلى إلى أوروبا. و في هذه الحالة أيضا، ظلت التقلبات المناخية هي الأكثر رواجا في تفسير هذه الظاهرة، و بناء على ذلك، حدثت التبدلات في الأنماط الحضارية خلال العصور اللاحقة، وفق استجابة المجموعات البشرية للتحديات التي طرحتها الأحوال المناخية.
و بينما تشبث إنسان أوروبا بنمط حياته و اقتصاده القائم أصلا على الصيد، فراح يرحل شمالا متعقبا قطعان الغزلان، و غيرها من الحيوانات التي هاجرت إلى مناطق