الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٥
إلى البحر و ثرواته التجارية. و نتيجة هذه الأطماع المتضاربة، وقعت فلسطين تحت حكم هذه القوة أو تلك، و لفترات طويلة، مباشرة أو مداورة، عبر حكام محليين.
إلّا إنه عندما توفرت الظروف الموضوعية- غياب قوة خارجية مهيمنة- و تواكبت ذاتيا مع قيام حكومة قادرة على فرض الأمن الداخلي، و بالتالي الاستقرار و صيانة الحدود في وجه الغزاة الصغار، قامت في فلسطين ممالك استطاعت أن توظف ميزات البلد لمصلحتها. فقامت بدور الوسيط في التجارة الدولية، كما أصبحت عنصرا فاعلا في السياسة الإقليمية، سواء بالتحالف مع ممالك أخرى في بلاد الشام، أو بالتناحر معها في صراع بشأن الموارد و السيطرة على الثروات و مصادرها. و يبرز ذلك في الكثير من الحالات: الهكسوس و العموريين و الكنعانيين و الإسرائيليين و الفينيقيين، و حتى الدولة الأموية و الدولة الصليبية، وصولا إلى إسرائيل الراهنة. فمن موقعها المتوسط بين شبكتي الطرق- البرية و البحرية- كان لفلسطين نصيب من التجارة الدولية، كما في أيام سليمان، و بعده في فترة ازدهار مملكة الأنباط، و حتى في أيام مملكة أورشليم اللاتينية (الصليبية). و في ظل الخلافة الإسلامية، أصبحت فلسطين جزءا وسطا من دولة عظمى مترامية الأطراف، و عنصرا مكملا لمحيطها، متجاوزة كونها حلقة في شبكة بديلة للالتفاف على الطرق التي تمر بقلب الصحراء العربية، في اتجاه البحر الأحمر.
و بإلقاء نظرة سريعة إلى تعاقب القوى التي حكمت فلسطين، تبرز التقلبات في تاريخها السياسي، خلال السنوات الأربعة الآلاف الماضية. فبعد فترة طويلة من النفوذ المصري، ضعف هذا الحكم فيها خلال القرن الثالث عشر قبل الميلاد، و بدأت مرحلة- دامت نحو خمسة قرون- غابت فيها عن البلد الهيمنة الخارجية، أسوة ببقية بلاد الشام. و في هذا الفراغ من القوى الكبرى الإقليمية، قامت ممالك محلية في كل بلاد الشام، بما فيها فلسطين: الفلسطيون و الفينيقيون و الكنعانيون و الإسرائيليون و الأراميون و العمونيون و المؤابيون و الأدوميون و سواهم. و في فلسطين قامت مملكة داود و سليمان في بداية الألف الأول قبل الميلاد، لكنها ما لبثت أن انقسمت إلى مملكتي يهودا و إسرائيل (نحو ٩٣٠ ق. م.) إلّا إنه في القرن الثامن قبل الميلاد، عادت مملكة أشور إلى التوسع الكبير فاحتلت فلسطين، و دخلت مصر في أيام أسرحدّون (٦٨١- ٦٦٩ ق. م.). و على أنقاض أشور قامت بابل، فاحتل ملكها نبوخذنصّر فلسطين كلها (٥٨٧ ق. م.). لكن الوارث الحقيقي لأشور كان مملكة فارس، التي غزا ملكها الثاني، قمبيز (٥٢٥ ق. م.)، مصر، و أصبحت فلسطين جزءا من الولاية الفارسية الخامسة- عبر نهرا- التي عاصمتها دمشق.