الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٩٦
لقد ثارت المشكلات في وجه داود و هو في ذروة قوته، إلّا إنها تفاقمت في آخر أيامه، و خصوصا بشأن الوراثة. فبعد مقتل ابنه الأكبر، أمنون، احتل مكانه أبشالوم (ابن معخا، ابنة تلمي ملك جشور). إلّا إن أبشالوم ثار على والده، و اضطره إلى الهروب و الاحتماء عند العمونيين. و بعد فشل التمرد و مقتل أبشالوم، دار الصراع في البلاط، بين أنصار سليمان، بقيادة والدته، بات شيبع (اليبوسية)، و أنصار الابن الأكبر سنّا، أدونياهو، (ابن حجّيت). و تغلب سليمان، و أوصى داود له بالملك.
و عندما تولى العرش، قتل أخاه و أنصاره المقربين، ليضمن استتباب الملك له (٩٦٥- ٩٢٨ ق. م.).
بالكثير من التبرير تقدم الرواية التوراتية سليمان كملك فوق العادة، يتميّز بالحكمة، و يتصف بحب العدل و السلام، و يعمل على توطيد أركان مملكته و ترتيب أوضاعها، و يسعى لدمج القبائل الإسرائيلية في وحدة سياسية، و يحاول نسج علاقات خارجية حميمة مع جيرانه. غير أن الواقع، كما يظهر من خلال التطورات التاريخية، يشير إلى غير ذلك. فما لبث أن مات، حتى انقسمت مملكته إلى شطرين: شمالي، و هو الأكبر، و يضم أغلبية القبائل، و يدعى «إسرائيل»؛ و جنوبي، يدعى «يهودا»، و يضم بالأصل سبطي يهودا و بنيامين. و هذا يدل على أن سليمان فشل في توحيد القبائل الإسرائيلية حول ملكه في أورشليم، سياسيا و دينيا.
و ورث سليمان عن داود مملكة واسعة نسبيا، تأسست على الحرب، و ضمت مناطق جغرافية متعددة، و عناصر إثنية كثيرة، و بالتالي فقد انطوت على أزمة مستمرة، داخليا و خارجيا. في حينه، استفاد داود من عاملين أساسيين، تضافرا ليتيحا له فرصة السيطرة على أراض واسعة: الأول ذاتي، و هو بناء قوة عسكرية مقاتلة؛ و الثاني موضوعي، و هو الفراغ السياسي الذي عمل فيه، نتيجة انكماش نفوذ الإمبراطوريات الكبيرة في الشرق الأدنى القديم، و عزوفها عن التدخل في فلسطين لاهتمامها بمشكلاتها الداخلية. و الإيجابيات التي قدمها هذان العاملان، سرعان ما انقلبت إلى سلبيات. فاستمرار الحرب رفع حدة التوتر الداخلي و التذمر القبلي، و إخضاع الشعوب المجاورة صعّد من مقاومتها لهذا التسلط. و كان على سليمان أن يواجه النتائج.
و في الواقع، ليست هناك مصادر خارجية تدعم الرواية التوراتية عن إنجازات سليمان، فالمعلومات الأثرية تعطي انطباعا أنها كانت أكثر تواضعا من الذي تضفيه عليها الصيغة التوراتية. و يلفت الانتباه خلوّ المصادر المعروفة من مصر و العراق و سورية من أي ذكر لملكي إسرائيل، داود و سليمان. و مع ذلك فمن المنطقي الأخذ