الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٩٥
السهل الساحلي، الذي بقي في أيدي الفلسطيين. و بعد ذلك توجه نحو شرقي الأردن، و اشتبك مع العمونيين و المؤابيين الذين كانوا يعملون لترسيخ سلطتهم هناك.
و بسبب نشاطه العسكري في الجلعاد، اصطدم داود مع العمونيين و المؤابيين في شرقي الأردن، و مع الأراميين في سورية. و بغض النظر عن المبالغة التوراتية في حدود مملكة داود، الأمر الذي لا نجد له صدى في المصادر الأخرى المعروفة، فإن في الإمكان الافتراض أنه برز كقوة في هذه المرحلة، بفضل أوضاع سياسية خاصة، أدت إلى تدهور أوضاع الإمبراطوريات الكبيرة كلها المعروفة في الشرق الأدنى آنذاك، و أفسحت المجال أمام قيام مملكة داود. فدولة الحثيين انهارت بفعل حركة شعوب البحر، و الإمبراطورية المصرية تراجعت بتضافر عوامل خارجية و داخلية. و كذلك حدث في أشور و بابل، بعد أيام تغلات بلّيسر الأول (نحو ١١٠٠ ق. م.)، الأمر الذي دفع الأراميين إلى التمدد و العمل على إقامة ممالك مستقلة في سورية: دمشق و صوبا و جشور و غيرها.
و يظهر أن داود أقام علاقات تجارية و دبلوماسية مع ملك حماة، توعي، في مواجهة الأراميين الآخرين، و مع حيرام، ملك صور الفينيقي، لأغراض تجارية.
و كذلك فعل مع العمونيين، إذ لضرورات سياسية و اعتبارات داخلية، زوّج ابنه سليمان من نعامة، ابنة الملك العموني. و هو نفسه تزوّج من ابنة ملك جشور الأرامي. أمّا في الداخل، فلم يحقق الكثير في حياته، إذ شغل بالحروب، فأدّى ذلك إلى تذمر القبائل، و حتى إلى ثورة ابنه أبشالوم عليه، بدعم من قبيلته- يهودا- الأمر الذي اضطره إلى الهروب و اللجوء إلى حماية العمونيين. و في آخر أيامه، أمر بإجراء إحصاء للسكان، لضرورات جباية الضرائب، و التجنيد للجيش و أعمال الملك (السخرة)، فأثار بذلك نقمة القبائل و تمرّدها عليه.
و في سعيه لتوحيد القبائل الإسرائيلية حول ملكه و عاصمته، اصطدم داود بالنزعة الانفصالية القوية لدى تلك القبائل. لقد نقل تابوت العهد- رمز وحدة بني إسرائيل من أيام موسى- إلى أورشليم، و أخذ يعد لبناء قصر لنفسه و هيكل ليهوى. فجمع مواد البناء، و كذلك الذهب و الفضة لهذا الغرض، الأمر الذي أدّى إلى تذمر الناس من عبء الضرائب. كما ثار بعض القبائل ضد المحاباة التي خصّ بها قبيلته- يهودا- بإعفائها من الأتاوات، و منحها الامتيازات عبر المواقع الرفيعة في الجيش و الإدارة المدنية. و في النتيجة، لم ينجح داود في التغلب على النزعة الانفصالية لدى القبائل الإسرائيلية، و كان لا بدّ من اللجوء إلى أعمال القمع لفرض سلطانه، و تأمين حاجات جهاز الدولة المركزية من النفقات و التموين و أعمال العمارة.