الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٩٤
ملكا على إسرائيل، مستفيدا في تحديه هذا من وجود «مملكة أورشليم اليبوسية» كحاجز يفصل بينه و بين سبط بنيامين، الذي ينتمي إليه شاؤول، و يدعمه سبط إفرايم.
و اضطر داود إلى الهروب من وجه شاؤول، و العمل لدى الفلسطيين في حامية حدودية بالنقب. و من هناك، راح يوطد علاقاته مع سبطه- يهودا- منطلقا من قاعدة العمل في خدمة الفلسطيين، و يبني قوته العسكرية الخاصة، من قبيلته و غيرها.
و باندفاعه لتكريس نفسه ملكا، اصطدم شاؤول بالنزعة القبلية القوية لدى الإسرائيليين، و بممارساته التعسفية جلب على نفسه غضب النبي صموئيل، فأفاد داود من ذلك كله، و راح يجمع حوله العناصر المتذمرة من تصرف شاؤول، و يسترضي القبائل الجنوبية، و خصوصا يهودا، الرافضة لزعامة شاؤول، ابن السبط الصغير- بنيامين- و كل ذلك من منطلق قاعدة العمل في خدمة الفلسطيين، و بالتالي الاطمئنان إلى رضاهم عنه. و بتدهور الأوضاع الذاتية لملك شاؤول، انتهز الفلسطيون الفرصة، و هاجموه، هذه المرة من الشمال، من مرج ابن عامر، فهزموه، و شتتوا جنده، و أسروه مع ثلاثة من أبنائه، و قتلوه، و أعادوا سيطرتهم على المناطق التي احتلها منهم، و لكن من دون إقامة سلطة مباشرة فيها. لقد اكتفوا باقتلاع عنصر الخطر، و عادوا إلى مناطقهم.
أمّا داود (١٠٠٤- ٩٦٥ ق. م.)، فبعد هروبه من وجه شاؤول الذي عزم على قتله، لجأ إلى ملك جات الفلسطي، أخيش، و عمل في خدمته حارسا لحدوده من هجمات القبائل المتنقلة في الصحراء، و اتخذ مقرّا له في مدينة تسجلاج (صقلج) في الطرف الجنوبي الشرقي من أرض الفلسطيين. و من هذه المنطقة واصل صراعه مع أشبعل، ابن شاؤول و وارثه، الذي بدعم من قائد الجيش، أبنر، نقل مركزه إلى شرقي الأردن. و الفلسطيون، الذين استغلوا هذا الصراع لمصلحتهم، سكتوا عن داود عندما نقل مقرّه إلى حبرون (الخليل)، و ساندوه في صراعه بشأن ميراث ملك شاؤول، و لم يستفيقوا على الخطر الناجم عن ازدياد قوته إلّا بعد أن وضع يده على أورشليم، و أنهى حكم اليبوسيين الكنعاني فيها.
و يبدو أن داود، بعد احتلال أورشليم، انتهز الفرصة لقطع علاقة التبعية التي ربطته بالفلسطيين، فبادر هؤلاء بتجريد حملة ضده، لكنه دحرهم، و تابع مطاردتهم، و احتل مدينتي: جيزر و عقرون من أيديهم، و جعلهما خط دفاعه الأول في مواجهته لهم. و بعد أن بسط سلطته على جبال القدس، و جعل أورشليم عاصمة له، و نقل إليها «تابوت العهد»، ليركز فيها السلطتين- الدينية و السياسية، تحوّل داود إلى توسيع مملكته. و خلال بضع سنوات ضمّ إليها كل ولاية كنعان المصرية سابقا، ما عدا