الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٨٧
بعبادته. كما أن يده تظهر في توجيه الأحداث التاريخية جميعها، و قوته تبرز من خلال العقاب الذي ينزله بالخارجين على طاعته، أو بالثواب الذي يمنحه للسائرين في دربه. و الخروج من مصر، كما احتلال أرض- كنعان، هما من العلامات التي كشف بها يهوى عن ذاته من خلال التاريخ. و هو بالتأكيد قادر على فعل العكس تماما، فهو عادل، كما هو صارم، لا يتهاون في نقض العهد معه. و كناطقين باسمه، تبنى الأنبياء دعوته إلى عبادة مطلقة له، لا تقبل الشرك، و لا تطيق الخروج على الطاعة و المعصية للإرادة. و بناء عليه، فإن سلام إسرائيل هو الدليل على رضى يهوى عنها، و المصائب التي تحل بها مؤشر إلى غضبه عليها. و هو أساس مفهوم هؤلاء الأنبياء لحركة التاريخ و فلسفته.
و انطلاقا من أن يد يهوى تحرّك التاريخ العالمي عامة، و اليهودي خاصة، عالج كتبة التوراة، بالجمع و التصنيف و التحرير، الأحداث الواردة فيها، فجاءت رواياتهم غير تاريخية. و بينما اعتبرها البعض مجرد أساطير و لا تصلح مادة أولية للتاريخ، رأى فيها البعض نوى حقيقية للأحداث، يمكن الإفادة منها في دعم المصادر الأخرى المكتوبة و الأثرية. في المقابل، ذهب البعض إلى توظيف المصادر الأخرى كبرهان، مباشر أو مداور، للواقع الذي تعكسه الروايات التوراتية. أمّا الدراسات التوراتية فقد وظفت علم الآثار التوراتي في ملاءمة الواقع مع النص الوارد في تلك الروايات.
و بتباين المناهج تنوّعت أساليب كتابة تاريخ هذا العصر، و تناقضت النتائج.
و أصحاب المنهج التوراتي، و من يجاريهم في منظوره، ينطلقون من أن إسرائيل القديمة استوعبت التاريخ على أنه حكم اللّه على الجنس البشري، بما يقود حتما إلى «الخلاص العالمي»، عبر توجيه اللّه لما صار يعرف ب «شعب اللّه المختار». و من هنا انفردت إسرائيل القديمة بين الشعوب الأخرى المعاصرة بامتلاك «الوعي التاريخي».
و بناء عليه، فالروايات التوراتية، كسجل للأحداث في حياة هذا الشعب، و بالتالي، علاقته بيهوى، من جهة، و بالأرض التي وعده بها (أرض- الميعاد)، من جهة أخرى، تصبح كتابات تاريخية حقيقية. و مثل هذا المنهج في كتابة التاريخ، و بالتالي الإصرار على اعتبار الروايات التوراتية مادة تاريخية، لا يعكس فكرا علميا، و لا أمانة فكرية مبدئية، و إنما مفهوما مغلقا لفلسفة التاريخ و حركته.
و يستخلص من الرواية التوراتية أنه بعد الخروج من مصر، و التيه في الصحراء أربعين عاما، دخل بنو إسرائيل أرض- كنعان، من منطقة أريحا، و احتلوها بعملية واحدة مستمرة طالت سبع سنوات. و كان ذلك بناء على خطة مسبقة، قسمت فيها الأرض بين الأسباط الاثني عشر، بقيادة موسى بداية، ثم من بعده يهوشوع. و هذه