الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٧٧
عليه، تبقى التوراة على العموم المصدر الوحيد تقريبا عن هذه الجماعة. و الجهد الضخم الذي بذله هؤلاء الكتبة في تصنيف و تحرير الروايات المتناقلة داخل الجماعة، و في صوغها المتأخر على صورة تاريخ الأمة اليهودية، لا يجد ما يدعمه، لا في المصادر التاريخية الأخرى المعروفة، و لا في علم الآثار الذي حقق إنجازات مهمة على صعيد المنطقة.
و ما اصطلح على تسميته علم التاريخ التوراتي، انطلق من عدد من المسلمات و المفاهيم الطوباوية، التي لا تصمد أمام النقد العلمي. و بالتأكيد، فإن المعتقدات الدينية، و هي فعل إيمان، قد أدّت دورا رئيسيا في صوغ الفلسفة التي يستند إليها هذا العلم. و بناء عليه، فالروايات التي يوردها الكتاب المقدس، جرى اعتمادها على أساس أنها كتابات تاريخية حقيقية، على الباحثين وزر الكشف عن التعبيرات المادية لها في الواقع. و من هنا، نشأ علم الآثار التوراتي، الذي جاء ليقيم الدليل المادي على صحة تلك الروايات، بينما هو يستند إليها أصلا في تحديد الأحداث و المواقع، الأمر الذي أدخل هذه الدراسات في حلقة مفرغة، (دور) كان نتاجها «تاريخ» يقوم على التفكير الدوري.
و الباحثون الموضوعيون اليوم، في وضع أفضل لإخضاع هذه الروايات التوراتية للتمحيص و التقويم، بالاستناد إلى المصادر الأخرى المتوفرة. و مع ذلك، فهناك وجهات نظر متباينة بينهم. فمنهم من ينفي تأريخية الروايات عن عصر الآباء، جملة و تفصيلا، و يعتبرها أساطير و ملاحم أدبية، كتبت في عصور متأخرة، و من منظور يعالج الماضي بإسقاطات الحاضر، أو العكس. و منهم من يرى فيها نوى حقائق تاريخية، جرى تضخيمها بالمراجعات و أعمال التحرير و التصنيف اللاحقة. و مع ذلك يبقى النهج التقليدي، المتأثر بالانحياز الديني، أو السياسي، شائعا اليوم. و هذا النهج لا يدحضه نهج مقابل، يعتمد الأساليب نفسها في البحث عن الحقيقة التاريخية، و يستند إلى روايات تحمل الطابع الأسطوري نفسه.
و أغلبية المؤرخين غير التوراتيين ترى اليوم أن العبرانيين هم العابيرو، أو الحابيرو، الذين يرد ذكرهم في وثائق ماري و نوزي، منذ بداية الألف الثاني قبل الميلاد. و يرد المصطلح في كتب «اللعنات المصرية» من تلك الفترة أيضا.
و يفسره البعض أنه يعني «الرحل»، من الجذر السامي «عبر». بينما يعتبره آخرون مصريا، و يفسرونه بمعنى «الرعاة المتنقلين»، أو «مثيري الغبار». و تطلق عليهم المصادر المصرية كنية أخرى، هي «شوسي» أو «شاسو»، التي تعني «الرحل» (قطاع الطرق). و بناء عليه، فهم من القبائل و الجماعات العمورية بصورة عامة، لم تستقر