الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٦٤
السياسية، عدا فترة حكم الهكسوس القصيرة نسبيا.
و يتضح من آلاف الرّقم التي عثر عليها في إبلا، و التي تلقي أضواء جديدة على تاريخ شعوب المنطقة- في الألفين الثالث و الثاني قبل الميلاد- فضلا عن لغاتهم و عاداتهم و عباداتهم و علاقاتهم، أن سكان بلاد الشام عرفوا الكتابة منذ هذا التاريخ على الأقل. فشعوب سيناء في الجنوب، إلى شعوب جبال طوروس في الشمال، كانوا يعرفون اللغات و الخطوط المتداولة في الشرق الأدنى القديم، إذ عرفوا الخطين- المسماري و الهيروغليفي، و استعملوهما في التعبير عن لغتهم هم. ثمّ لم يلبثوا أن طوروا الأبجديتين- الأوغاريتية و السينائية. و هذه الأخيرة هي النمط الأولي للخط الكنعاني، الذي أخذته العبرية القديمة.
و منذ أيام المملكة الوسطى (نهاية الألف الثالث قبل الميلاد)، صارت الوثائق المكتشفة في مصر، من كتابات و نقوش، توفر المزيد من المعلومات عن فلسطين- علاقتها بمصر و أوضاعها السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية، و حتى عبادات سكانها.
و مع أن علاقات محدودة قامت بين مصر و فلسطين من أيام المملكة القديمة، فإنها أيام حكم السلالتين ١٢ و ١٣ قد تطورت: أولا، بفعل الاستقرار الداخلي الذي تحقق، و خصوصا أيام السلالة ١٢، في فترة ١٩٩١- ١٧٧٥ ق. م.، و ثانيا، لتعاظم اهتمام الفراعنة بمناجم النحاس و الفيروز في سيناء، و بالتالي ضرورة حمايتها من تهديد القوى في فلسطين.
و يتحدث عدد من هذه النصوص عن الحملات العسكرية التي أرسلها فراعنة مصر، و خصوصا أيام السلالة ١٢، التي مثلت ذروة قوة المملكة الوسطى، إلى سيناء و فلسطين، و كذلك الحملات العسكرية- التجارية إلى الساحل، و ربما إلى الداخل السوري. و هذه النصوص تشير إلى علاقات وثيقة، تقترب من بسط النفوذ، على الأقل في جنوب فلسطين، و إلى أخرى اقتصادية متينة مع جبيل على الساحل.
و إذ لا يستبعد بعض المبالغة في إنجازات تلك الحملات و أبعادها فإنها على أية حال تعطي معلومات عن الحالة السياسية- الاجتماعية في فلسطين، و غيرها من بلاد الشام.
و في تلك النصوص إشارات واضحة إلى عدد كبير من دويلات- المدن، يصل في بعض القوائم إلى العشرات، مثل: عسقلان و حاصور و شيكم و حتى أورشليم، التي يرد اسمها لأول مرة منذ أيام السلالة ١٢. و لعل الأهم أنه في تلك الوثائق يرد اسم جديد لفلسطين، هو ريتنو، و يميز بين منطقتين- عليا و سفلى. و المعنى الدقيق لهذا الاسم ليس واضحا، لكنه بحسب استعماله يشير إلى وحدة سياسية، أكثر من دلالته على جماعة إثنية، أو حالة اجتماعية، كما جرت العادة في التسميات التي كان