الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٥٤
كلها، من البحر الأسفل (الخليج العربي)، إلى البحر الأعلى (المتوسط) نحو سنة ٢٣٧٥ ق. م. و مع معرفتنا أن بلاد الشام، و على الخصوص الشمالية، كانت محط أطماع ملوك العراق لخيراتها، و خصوصا الأخشاب و المعادن، و كذلك بعض المنتوجات الزراعية، فهناك شك في صحة هذا الادعاء.
إلّا إن سرجون الأول (٢٣٤٠- ٢٢٨٤ ق. م.)، ملك أكاد الأسطوري، الذي أسس سلالة قوية، و أقام أول إمبراطورية معروفة في العالم، يكرر ادّعاء لوجال زاجيسي. فقد قام بحملات عسكرية في الجنوب و الشرق، لكن جلّ اهتمامه توجه إلى الغرب، إذ «أحسّت عمورو بوقع سلاحه»، مبكرا في سني حكمه. و هو يتفاخر بأنه لم يتوقف عند شواطىء البحر الأبيض المتوسط، بل توغل أيضا في آسيا الصغرى، و بأنه أقام سلطة دائمة في أرض عمورو. و بحسب المصادر الأكادية ضمت أرض عمورو كل المساحة الواقعة إلى الغرب من الفرات. و هي توازي، بصورة أو بأخرى، ما عرف لاحقا عبر النهر (عبر نهرا). و من هنا اسم العموريين، الذين تكلموا لغة سامية غربية، متباينة عن السامية الشرقية، التي استعملها الأكاديون و الأشوريون.
لم يعثر بعد على آثار أكاد، لكننا نعرف أنها كانت عاصمة إمبراطورية واسعة الأرجاء، بناها سرجون، و أوصلها ذروة قوتها و ازدهارها حفيده نارام سين (٢٢٦٠- ٢٢٢٣ ق. م.)، الذي لقب نفسه «ملك أربع جهات الأرض»، و حتى «إله أكاد». و في الواقع امتدت مملكته من الخليج العربي (عمان، دلمون) إلى البحر الأبيض المتوسط، و لكن من دون فلسطين كما يبدو، التي بقيت في منطقة نفوذ مصر، في عهد المملكة القديمة. و المعروف أن نارام سين هذا هو الذي قضى على مملكة إبلا المزدهرة، نحو سنة ٢٢٥٠ ق. م. و بعده بدأت فترة تراجع، استمرت حتى سنة ٢١٥٠ ق. م. تقريبا، إذ انهارت أكاد، و سقطت في أيدي الجوتيين، و لا شك أنه كان للعموريين دور في ذلك.
و حمل الأكاديون معهم حضارة بلاد الرافدين، و نشروها في نطاق أوسع من مناطق حكمهم المباشر. و أبرز معالم ذلك الكتابة المسمارية التي انتشرت في غرب آسيا كلها، إذ أصبحت اللغة الأكادية وسيلة التخاطب الرسمي بين المراكز الإقليمية و عاصمة الإمبراطورية، إضافة إلى استعمالها في جميع العلاقات بينها. و قد جرت ملاءمة الخط المسماري ليعبر عن اللغات السامية المتداولة عبر الفرات. و مع ذلك انهارت هذه الإمبراطورية بعد أن عمّرت نحو ٢٠٠ عام. و بانهيارها المتزامن مع المملكة القديمة في وادي النيل، أفسح في المجال أمام العموريين لملء الفراغ، و التوسع شرقا في بلاد الرافدين، و غربا حتى تخوم الدلتا في مصر. و هناك من يرجح