الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٥٣١
الأمر الذي يتنافى مع «خطة د»، المعتمدة للوصول إلى الهدف الصهيوني المرحلي بإقامة إسرائيل، و ذلك بعد إعادة ترتيب هيكلية الهاغاناه لتصبح «جيش الدفاع الإسرائيلي»، بكل ما ينجم عن ذلك شكلا و مضمونا. و بغض النظر عن الأسباب الذاتية الموجبة لذلك، فإن قبول الدول العربية بالهدنة، استجابة لقرار مجلس الأمن، و ضغط الدول الكبرى، كان بمثابة الاعتراف بالأمر الواقع، التقسيم، على أقل تقدير.
لقد أعلنت القيادة الصهيونية قيام إسرائيل، و اعترفت بها الدول الكبرى و غيرها، و بالتالي فإن تطور الأحداث اللاحقة للتعامل مع هذا الواقع على أساس التهادن معه، كان لا بدّ من أن يخدم تكريسه. و على افتراض صدقية البيانات العربية العلنية، فإن القبول بالهدنة كان ينذر بعواقب وخيمة.
لقد أرادت القيادة الصهيونية الهدنة لالتقاط الأنفاس، و تلافي الثغرات التي كشفها الهجوم العربي، و ذلك عبر توفير المستلزمات، البشرية و المادية، و خصوصا التسليحية، لتطبيق خطة د. فعلى الصعيدين- السياسي و العسكري- و على المستويين- الاستراتيجي و التكتيكي- كانت الهدنة في مصلحة إسرائيل، و ضد العرب. و قبل دخول الجيوش العربية المعركة، كانت إسرائيل في موقع الهجوم- السياسي و العسكري- أمّا بعده، فقد تحولت أداتها العسكرية إلى الدفاع، و بناء عليه، سعت للهدنة لترتيب أوضاعها، و للانتقال إلى الهجوم العسكري، بما يتلاءم و خطها السياسي. في المقابل، كان الموقف العربي في حالة الدفاع السياسي بعد قرارات الأمم المتحدة، و جاء الهجوم العسكري ليفتح أمام الدول العربية المجال للانتقال إلى الهجوم السياسي، لكنها بقبولها الهدنة أضاعت الفرصة، فأصبحت في موقع الدفاع- سياسيا و عسكريا. و تحولت إسرائيل إلى الهجوم السياسي استنادا إلى «الشرعية الدولية»، ثم العسكري بعد الهدنة، بينما تحولت الجيوش العربية من المبادرة الهجومية، إلى المرابطة الدفاعية، في خطوط قريبة من خطوط التقسيم، ما عدا الجبهة المصرية التي عزلت النقب، الذي كانت إسرائيل تطمع فيه. و لما أصبحت الجيوش العربية مرابطة، سهل الاستفراد بكل منها على حدة.
و ما دامت القيادة الصهيونية لم تتراجع عن هدفها السياسي بإقامة الدولة اليهودية، فقد كان طبيعيا أن تستغل الهدنة، بغض النظر عن شروطها، للتقدم نحو أهدافها. و في الواقع، فإن قبولها للهدنة كان مشروطا باعتبار إسرائيل قائمة فعلا، و بالتالي كان قبول الحكومات العربية بالهدنة، اعترافا ضمنيا بذلك. و في الهدنة التي حددت بأربعة أسابيع، قابلة للتجديد، استطاعت إسرائيل أن تحوّل الهاغاناه إلى جيش الدفاع الإسرائيلي، كما أراد بن- غوريون، و استقدمت المتطوعين اليهود من بلادهم